وقفات مع الإلحاد

  • زيارات : 393
  • بتاريخ : 29-يوليو 2012
  • كتب في : مقالات

(وقفات مع الإلحاد)

أحمد بن عاشق المصارع*

الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:
فإن من طبيعة القلوب التقلب والتحول من حال إلى حال ومن وجهة إلى أخرى وقد حدث في الآونة الأخيرة أمور منكرة وانفلات من الشريعة مستغربة ومن ذلك الإلحاد والاستهزاء بالدين وسب الله ورسوله ولم يكن ذلك من علج كافر وفي بلاد كافرة وإنما رجال من بني جلدتنا ويتكلمون بلغتنا وفي بلاد الإسلام ويخشى أن تنتشر مثل هذه الأمور إن لم يتصد لها الغيورون من أهل العلم والمسلمين كافة وكُلٌ بحسبه وعلى قدر طاقته ولهذا أحببت المشاركة في التصدي لهذا الخطر القادم بوقفات يسيرة وإشارات لطيفة.
فالوقفة الأولى: جاء في خاطري سؤال لماذا ظهر الإلحاد في بلاد يهتم أهلها بالعقيدة والتوحيد؟
قلت لعل ذلك راجع إلى أمرين:
الأول: تسهيل الوسائل الحديثة الإنفتاح على الغير وصادف حب الإطلاع والخروج عن المألوف.
فسهلت وسائل الإتصال الحديثة التعرف على الثقافات الأخرى بخيرها وشرها مما أوقع بعض الشباب بفخاخ الشر وظلمة الشهوات وسراديب الشبهات ومستنقعات الرذيلة وجره حب الإطلاع إلى هذه الشرور حتى يقال مثقف!!
الثاني: تشجيع وسائل الإعلام على التغيير المذموم – وتحرير العقول من قيود الشريعة -وكل أحد حر في تفكيره – وليس لأحد وصاية على أحد – وينبغي التشكيك في كل ما تعتقده سابقا – وغيرها من الأفكار والسموم التي يبثونها مما جعل البعض يسير وراء هذا السراب حتى أوقعه في حيرة واضطراب.
الوقفة الثانية: يكثر الإلحاد في الثقافات المختلطة والأعراف المختلفة الذي لا يحكمها دين ولا يسودها عرف.
من هذه البيئات ينشأ الإلحاد غالبا.
الوقفة الثالثة: وصول الإنسان إلى درجة الإلحاد معناه اللانسانية وليس المراد مسبتهم بل هي حقيقة يشعر بها كل ملحد فبعضهم يشعر أنه أفضل من كل شيء وبعضهم يشعر أنه لا قيمة له.
وقد ذكر الله تعالى فيمن حاج إبراهيم عليه السلام في ربه
في سورة البقرة{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }
فانظر كيف تجبر وتكبر حتى ظن أنه يحيي ويميت؟!
الوقفة الرابعة: دليل الإلحاد العقل السقيم
فالذي يوصل إلى الإلحاد انحراف العقول عن اتباع الشريعة فكلما ابتعد العقل عن الشرع كلما قرب من الإلحاد والزيغ والانحراف عن الجادة.
أما الفطرة والحس لا يكونا سببا في الوصول إلى الإلحاد مهما فسدت الفطرة والحس بل من أفضل طرق إقناع الملحد محاجته بالفطرة والمحسوسات
(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)
تأمل في نبات الارض وأنظر& الى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات& بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات& بأن الله ليس له شريك
ولذلك تجد أكثر الملحدين استغرقوا في العقليات فأوصلتهم إلى إنكار رب الأرض والسماوات نعوذ بالله من الخذلان.
الوقفة الخامسة: من مصادر الإلحاد الشبهات ووسائلها كثيرة منها: وسوسة الشيطان في صدر العبد بتذكيره ببعض الأشياء التي عن طريقها يوصله إلى الإلحاد والعياذ بالله تعالى كما جاء في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال( يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول من خلق كذا وكذا ؟ حتى يقول له من خلق ربَّك ؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته)
وفي رواية(فليقل آمنت بالله) رواه مسلم
وهذا فيه بيان لاستدراج الشيطان للإنسان حتى يوصله إلى هذه النتيجة.
ولهذا ينبغي الحرص على العلاج النبوي بأن يقطع حبل التفكير في هذا الأمر وعدم الانسياق مع الشيطان و يستعيذ من الشيطان ويقول آمنت بالله وجاء في بعض الأحاديث قراءة سورة الإخلاص ففيها الخلاص بإذن الله تعالى.
ومنها: بعض الكتب الفلسفية والفكرية التي تشكك المسلم في عقيدته بالله سبحانه ولذلك ينبغي للعبد أن لا يقرأ حتى يسأل عن هذا الكتاب أو ذاك فالسلامة لا يعدلها شيء.
وأيضا حتى بعض الكتب الإسلامية التي تعتني بالرد على الشبهات فلا تُقرأ حتى يتأصل المسلم في العقيدة وتثبت قدم التوحيد في قلبه فالشبه خطافه والقلوب ضعيفة.
ومنها: الإستماع لبعض أهل الأهواء سواء كان صديقا أو استاذا أو كاتبا أوغيرهم ممن يشككون المسلم في ربه وخالقه سبحانه
قال الحسن البصري(لا تجالس صاحب هوى فيقذف في قلبك ما تتبعه عليه فتهلك أو تخالفه فيمرض قلبك)
وقال أبو قلابة(لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم ويلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون)
وقال ابراهيم النخعي(لا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تكلموهم فإني أخاف أن ترتد قلوبكم)
وقال يحيى بن أبي كثير(إذا لقيت صاحب بدعة في طريق فخذ في طريق آخر)
وقال الفضيل بن عياض(من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة)وغيرها كثير.
وكل ما يوصل المسلم إلى التشكيك في عقيدته وربه وخالقه سبحانه من كتاب أو كاتب أو مكان أوغيرها فالبعد عنه هو الحل الأسلم لدين المسلم وعقيدته.
الوقفة السادسة: للملحد قبل إلحاده ثلاث صفات:
الأولى: التكبر على الحق وهو بذرة يقذفها الشيطان في قلب العبد حتى توصله إلى الإلحاد.
فالكبر أوصل الشيطان إلى الكفر.
قال تعالى(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ
قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)
الثانية: العجب برأيه وعقله
فالأمورعنده كلها تحتاج إلى العرض الأكبر(عقله)
ومن وكِلَ إلى عقله ورأيه ونفسه فقد هلك.
الثالثة: الاستهانة بالوحي
فليس للوحي من الكتاب والسنة قداسة في نفسه وهي عنده إما أنها غير صالحة لكل زمن وإما أنها ناقصة وإما أننا لسنا بحاجة إليها وإما أن العقول لا تقبلها ونحو ذلك من ايحاءات الاستهانة بكلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ولذلك ينبغي للمسلم دفع هذه الأمراض والأعراض قبل حلولها واستقرارها في القلب فإن الدفع أهون من الرفع.
ومن ابتلي بشيء من هذه القاذورات فعليه بعلاجها قبل أن يستفحل الداء.
(وأعظم علاج لذلك هو الدعاء في السجود)
لا أعلم لك علاجا أعظم من ذلك فأقبل على الله بكليتك وقلبك أن يخلصك من هذه الأدواء
قال تعالى { فَفِرُّوا إِلَى اللَّه إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِير مُبِين }
وقال(وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم)
و(ظنوا) بمعنى أيقنوا.
هذه بعض الخواطر حول هذه القضية الجلل والنبتة الفاسدة والفكرة الكافرة الرائجة.
فليطلب كل واحد منا النجاة لنفسه وأهله وولده وقريبه وجاره وصديقه.فالكل مسؤول.
(وَقِفُوَهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ)
(هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ)
أسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه وطاعته وأن يسلك بنا سبل السلام وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ولا يجعله ملتبسا علينا فنضل وأن يعصمنا من سوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.
والله أعلم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أخوكم: أحمد بن عاشق المصارع
حرر٥/٩/١٤٣٣
صباح يوم الثلاثاء.

*مستشار في وزارة الأوقاف وداعية مفرغ يحضر لنيل الماجستير

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تطوير :تصميم مصري لحلول الويب