وفي شبابنا عفة

  • زيارات : 631
  • بتاريخ : 9-ديسمبر 2011
  • كتب في : مقالات

وفي شبابنا عفة

سعد بن دبيجان الشمري*

سئل رجل من بني عذرة ما بال شبابكم كلما عشق منهم أحد جن أو مات ؟ ! ، هل هو من ضعفٍ في عقولكم ؟ .
فقال العذري: لا والله ، لم نؤت من ذلك ، ولكن في نسائنا صباحة (جمال) وفي شبابنا عفة !
هذا الحوار القصير الذي تناقلته كتب الأدب ، وكل من كتب عن العشق العذري ، وأخبار بني عذرة ، يبين لنا جانباً غائباً في حياة هذه القبيلة التي يضرب بها المثل في العشق ، والأولى أن يضرب بها المثل في العفة .
وحينما ننظر إلى شبابنا في زمن تزينت فيه الشهوة بكل زينة ، وسوقت فيه بكل وسيله ، حتى لا يكاد يسلم من شرها وشررها أحد ، نجدهم على قدر كبير من العفة ، إذا قارناها بحجم تسويق الشهوة وتزيينها.
فلا زال فئام منهم لا يعرفون عن الفاحشة إلا ما تتناقله وسائل إعلام تعظم المحتقر ، وتعمم الشاذ ، ولا يعرفون من الشهوة إلا خواطر النفس ، ونظر الفجأة .
أما هتك ثوب العفاف ، وتمزيق خدر العفة ، فلا زال خطاً أحمراً ، عند السواد الأعظم من شبابنا وبناتنا ـ ولله الحمد ـ ، فلا يغرنك كثير ما تسمع ، وعظيم ما يتناقل ، فالشاذ أظهر ، والمخالف للسائد يشتهر .
ومن المؤسف أننا نتناقل أخبار الشر ، وربما يستمتع بعضنا بنشرها ، متناسياً أن ذلك إن لم يكن من باب التحذير والنذير متبوعاً ببرامج عملية وقائية وتربوية ، فليس ببعيد عن إشاعة الفاحشة بين الذين آمنوا .
والمطلوب إبراز الأخلاق القيمة ، وتعزيز القيم الشريفة ، حتى تكون هي الثقافة ، فيكثر أهلها ، ويسهل التخلق بها .
ومن جميل ما سمعت من عفة شبابنا ، والذي يدل على أن في شبابنا عفة يضرب بها المثل ، ما حدثني به صاحب القصة نفسه ، فيقول :
” في أيام الابتعاث لدراسة الماجستير في أمريكا ، تأخرت في المكتبة لإنجاز أحد البحوث ، فلم أنتبه إلا ببداية اطفاء الأنوار ، فعلمت أني تأخرت كثيراً ، فخرجت مسرعاً لعلي أجد سيارة تقلني ، لكون الجامعة خارج المدينة ، وحصل ما كنت أخاف ، وقفت مدة ليست بالقصيرة ،أبحث عن سيارة أجرة فلم أجد ، فإذا بسيارة تقف بجواري فيها طالبتان من طالبات البكالريوس ، واللتان اشتركت معهما في بعض المواد ، فوقفتا بجانبي وطلبتا مني الركوب لإيصالي ، فشكرتهما واعتذرت ، فقالت إحداهما : لو انتظرت إلى الصباح فلن يقف لك أحد ، فالجامعة أغلقت أبوابها ولن يقف لك إلا من يعرفك ، وهذا ما جعلنا نقف لإيصالك .
يقول : والله ما جعلني أتردد في الركوب معهما إلا خوف الفتنة ، فقد كانتا في غاية الجمال ، وكنت حينها غير متزوج ، فخشيت أن يراودنني عن نفسي ، ولم أركب إلا ليقيني أنني لن أجد من يوصلني غيرهما ، فاستعنت بالله وركبت معهما واخترت المقعد الخلفي ، حتى أكون في أبعد مكان عنهما ، فلما جلست بادرتهما بالسؤال : ماذا تعرفن عن محمد صلى الله عليه وسلم ؟ فقالتا لا شيء ، يقول فحدثتهما عنه وعن دينه وعن القرآن ، لأني أوقن أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم ، وحتى تخنس نفسي عن كل سوء وهي تتحدث عن الله ورسوله وكتابه .
يقول : فلما اقتربنا من الشقة خشيت أن يعرفن مسكني ، فينزلن معي ، أو يترددن علي مستقبلاً ، فدللتهما على المسجد حتى ينزلنني فيه ، يقول : فودعتهما وشكرتهما على حسن صنيعهما وجميل اصغائهما ، وبت ليلتي في المسجد ، حامداً لله وشاكراً له أن أنجاني من هذا الامتحان الصعب “
فهذا الشاب الصالح ،اجتمعت عليه فتنة الشباب والغربة والخلوة ، فقدم مخافة الله ، وعظم حدوده ، وقال : ” إني أحاف الله ” .
ويقول مبتعث آخر : كان لي صديق وسيم الوجه ، تتبعه نظرات الزميلات في القاعة ، بل وبدأ بعضهن يقترب منه ، ويجلس بجواره ، ويتعمدن الحديث معه لحاجة ولغير حاجة ، وكان خجولاً ، خائفاً ، كعادة القادم الجديد من المبتعثين ، وفي يوم من الأيام جاء صاحبنا وقد ادهن بعود كمبودي صلب الرائحة ، لا يقصد به إلا التطيب ، فلمس من الطالبات النفور منه ، والابتعاد عنه لكراهة رائحته بالنسبة إليهن ، فجاءني وهو يبتسم ابتسامة المنتصر ، ويقول : هربن من العود ، ووالله لأجعلنه طيبي كل اليوم ، ففعل ما وعد ، فأنجاه الله من ملاحقتهن له ” .
أما صاحبنا هذا فاجتمع عليه فتنة جماله ، وافتتانهن به ، فتمسك بما ينفرهن منه ، وقال : ” معاذ الله “.
هذه النماذج الشريفة العفيفة ، ليست من غابر التاريخ ، ولا من بطون الكتب بل هي من شبابنا العفيف ، هذا ما علمناه منهم اتفاقاً وبلا استقراء وحصر ، وما لم نعلمه أكثر من ذلك بكثير ، ولكن السوء ينشر ويتناقل أكثر من غيره .
وليست العفة مستغربةً على مجتمع تعظم فيه شعائر الله ، وتزخر مناهجه بكلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ويتربى صغاره على الذكر والقرآن ، وينشأ شبابه على حلق العلم ، ويتسابق رجاله على التبكير للصلاة والصف الأول ، ويهرم كهوله في روضة المسجد ، يقلبون أوراق المصحف ويتابعون بين الختمات .
فكان حال شبابنا ـ ولله الحمد ـ أنهم قدروا الله سبحانه حق قدره ، وامتلأت قلوبهم توقيراً لله وإجلالاً ، حتى قالوا ما قال يوسف عليه السلام حينما راودته امرأة العزيز عن نفسه : ( معاذ الله .. ) ، وكما قال أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله حينما دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : ( إني أخاف الله ) .
ويحق لنا بعد هذه الأمثلة أن نقول للعذري ، وفي شبابنا عفة .

* معلم وكاتب معروف
* [email protected]

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تطوير :تصميم مصري لحلول الويب