نبينا بعيون منصفة

  • زيارات : 860
  • بتاريخ : 24-مارس 2012
  • كتب في : مقالات

نبينا بعيون منصفة

منيف خضير*

ثمة شخصيات مبدعة في هذا العالم ساهمت في فتح آفاق في مجالات عدة ، وغيرت حياة شعوب وأمم بأكملها ، والحياة تعطي أمثلة عديدة عبر عصورها وأزمانها الحاضرة والغابرة ، خذوا مثلاً المهاتما غاندي ذلك الرجل النحيل الذي حرر الهنود من قبضة البريطانيين ، ووحد الأمة الهندية على مختلف دياناتها تحت مظلة وطنية كانت قاعدة صلبة لنجاحات الهند ـ فيما بعد ـ كأمة عريقة على مر الأجيال ، مما أوجد تاريخاً حافلاً لهذا الرجل يحترمه كل من تسمى بالإنسانية بعيداً عن التعنصر الديني أو الإقليمي ، أيضاً هناك تولستوي ذلك الأديب الروسي العظيم الذي غير ملامح الإنسانية بفكره وبكتبه التي تجاوزت الحدود العقدية وكذلك تجاوزت حدود بلاده ، والأمثلة كثيرة لهؤلاء المبدعين ليس المجال لحصرها ، ولك أن تتخيل أن رجلاً عظيماً أثر في البشرية أو في جزء منها ويعجب برجل آخر ويبجله ويتناقل أفكاره ، لاشك أن هذا دليل على عظمة الرجل الثاني ونزاهة الرجل الأول وصدقه وموضوعيته أيضاً ، وإذا شاهدت مجموعة عظماء يشيدون ويجمعون على عظمة رجل ٍ ما ، فذلك دليل لا يقبل المراء على أن هذا الرجل فريد من نوعه ، متميز في شخصيته ، ومؤثر بدرجة عالية . والحق ما شهدت به الأعداء كما يقال خصوصاً إذا أتت الشهادة من الذين يخالفونه في دينه وفي عقيدته .

هذا الرجل الذي أقصده والذي اتفقت عليه عقول المفكرين هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ذلك النبي العربي الأمي الذي ولد في الصحراء ولم يقرأ ولم يكتب ومع ذلك أبهر البشرية جمعاء بتلك الحضارة التي صنعها بفكره المتميز وبشخصيته المؤثرة الصادقة ، وبالكاريزما التي لم تخطئها عيون ومشاعر من عاصروه ، وبالوحي الإلهي الذي يؤيده بكل تأكيد ، والتأثير متوقع في ظروف كهذه لمن عاصروه أو التقوه أو سمعوا به ، ولكن أن يمتد التأثير والإعجاب لأعدائه أو لمن لا يعتنقون دينه وعقيدته وأتو بعده بآلاف السنين ؛ فذاك هو السر الإلهي الذي يسري بالدين الحنيف إلى البشرية جمعاء مصداقاً لعالمية الدين الإسلامي ، مما حدا بالمؤلف الأمريكي الشهير مايكل هارت أن يؤلف كتاب المئة الأوائل جاعلاً نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على رأس قائمة تضم مئة شخص هم الأكثر تأثيراً في البشرية ، ورغم أن هارت مسيحي إلا إنه أنصف رجلاً عظيماً مثل محمد صلى الله عليه وسلم ، متجاوزاً الضجة الكبرى التي أثارها كتابه في الأوساط الدينية المسيحية حيث قدم بعض العلماء في الترتيب على النبي عيسى عليه السلام في كتابه متجرداً من الهوى وموضحاً منهج كتابه الشهير حيث يقول ” إن اختياري محمداً، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ، قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي “.
فهناك رُسل وأنبياء وحكماء بدؤوا رسالات عظيمة، ولكنهم ماتوا دون إتمامهاـ كما يقول ـ كالمسيح في المسيحية، أو شاركهم فيها غيرهم، أو سبقهم إليهم سواهم، كموسى في اليهودية، ولكن محمداً هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية، وتحددت أحكامها، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته. ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة، فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضاً، وحّد القبائل في شعـب، والشعوب في أمة، ووضع لها كل أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم. أيضاً في حياته، فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية، وأتمها.

أما العظيم الآخر الذي أنصف سيدنا ونبينا محمد فهو الأديب الروسي الشهير تولستوي ـ كما أسلفت ـ ، والذي يقال أنه أسلم في أواخر حياته ويستدل من يقول بذلك على أن قبره ليس فيه إشارة الصليب على شاهد قبره كما هو دارج في وقته، وتولستوي رغم أنه من عائلة غنية إلا أنه مات فقيراً متقشفاً على الطريقة الإسلامية لقناعته بالزهد كمنهج حياة روحية تؤدي إلى سمو الإنسان وبعده عن الشهوات ، مما أضطر زوجته إلى الفرار بعد أن ملت من هذه العيشة في كوخ معزول وبعد وفاته اعترفت زوجته نادمة ًأنها لم تكن زوجة صالحة له !

والفيلسوف الكبير ” تولستوى” أعجب بالإسلام وتعاليمه في الزهد والأخلاق والتصوف، فقد أنبهر بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم وظهر ذلك واضحا على أعماله، فيقول في مقال له بعنوان ( من هو محمد؟):

” إن محمدا هو مؤسس ورسول، كان من عظماء الرجال الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمة جليلة، ويكفيه فخرا أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح إلى السكينة والسلام، وتؤثر عيشة الزهد ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقي والمدنية، وهو عمل عظيم لا يقدم عليه إلا شخص أوتى قوة، ورجل مثله جدير بالاحترام والإجلال ” .

ومن الإنصاف أن أذكر بعض آراء واعترافات الفلاسفة و المستشرقين الغربيين المنصفين في رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلّم.
كثيرٌ منهم درس سيرة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم و أثنوا عليه و اعترفوا بأنه أعظم شخصية في التاريخ، بعضٌ منهم أشهروا إسلامهم بعد الدراسة مثل اللورد هدلي الذي كتب و ردّ بصورة خاصةّ على افتراءات بعض كتاب الغرب في محاولة تشويه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعضهم لم يفعل ولم يفكر في الإسلام بتاتاً .

يقول اللورد هدلي في دراسة طويلة بمناسبة المولد يردّ فيها على الخصوم:
” و قد تحققت بعد طول البحث و الاستقراء أنّ محمداً نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم لم يكن مدعياً و لا دجالاً كما يدّعيه خصومه، و لكنه كان رسولاً نبياً جاء برسالة إلهية صادقة لا ريب فيها هدىً للمتقين أوحى الله بها و كلّفه بتأديتها”
ومن هؤلاء المنصفين الذين كتبوا كتباً و اعترفوا بأنه صلى الله عليه وسلم أعظم شخصية:المؤرخ الأوروبي جيمس متشنر، وينسون، المستشرق الأميركي إدوارد ورمسي، الكاتب الانكليزي لويل توماس، الفيلسوف الانكليزي توماس . كارليل، المستشرق الفرنسي كول لابوم، أحد حكام الجزائر الفرنسي كونت هنري دي كاستري، الفيلسوف الفرنسي لامارتين، المستشرق لين بول، الباحثة سنكس، رئيسة الدفاع عن حقوق المرأة في فرنسا سابقاً مدام بيرون، الكاتب البرفسور ليك، المؤرخ الانكليزي وليم موير، المستشرق الانكليزي توماس ارنولد، الفيلسوف و الأديب وولتر، الأديب الانكليزي جونس أوركس، المستشرق جولد زيهر، القس الفرنسي لوزون، العالم الهندوسي فسواني، الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسّو، الروائي و المؤرخ برنارد شو.. وغيرهم الكثير.

و يقول جان جاك روسّو: ” من الناس عندنا من يتعلم قليلاً من العربية ثمّ يقرأ القرآن و يضحك منه لأنه لا يفقهه و لو أنه سمع محمداً صلى الله عليه وسلم يمليه على الناس بتلك اللغة الفصيحة الرقيقة و بصوته المشبع المقنع الذي يؤثر في القلوب و إلى أنه كما بدت أحكامه أيدها بقوة البيان و ما أوتيه من بلاغة اللسان، لخرّ ساجداً على الأرض و ناداه قائلاً:

” أيها النبي رسول الله خذ بيدنا إلى مواقف الشرف و الافتخار أو إلى مواقع التهلكة و الأخطار، فنحن من أجلك نودّ الموت أو الانتصار “.

و في كتابه ” الأبطال و ديانة الأبطال ” قال الفيلسوف الانكليزي توماس كارليل: ” أي شيء أكبر دلالة على صدق من يدّعى لك أنه بنّاء ماهر من أن يبني فعلا بيديه داراً تقاوم العوادي كذلك لا شيء أكبر دلالة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من أن يؤسس ديانة يجد فيها نحو مائتي مليون من الأنفس غذاءهم الروحاني و تقاوم عوامل التحلل في مدّة أكثر من اثني عشر قرناً “
و يقول الفيلسوف لامارتين مخاطباً قومه: ” أترون أنّ محمداً كان أخ خداع و تدليس و صاحب باطل و ميل؟

و إني أقول: كلاّ بعد ما وعينا تاريخه و درسنا حياته، و ليس للنفاق قوّة العقيدة و ليس للكذب قوة الصدق إلخ..

وختم :

فأي رجل لعمركم قيس بجميع هذه المقاييس التي وضعت لوزن العظمة الإنسانية كان أعظم من محمد؟ و أي إنسان صعد هذه المراقي كلها فكان عظيما في جميعها غير هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم “

وكان المهاتما غاندي يتعاطف مع الإسلام ومع نبي الرحمة ويسلك ذات الطريق الروحي عبر الزهد والصيام الطويل ، وأشار إلي حسرته بعد نهاية أجزاء الكتاب الذي كان يقرأه عن سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم متمنياً أن يكون ثمة جزء آخر لهذه السيرة التي بهرته ، وحقيقة لسنا بحاجة إلى سرد مدائح وأقوال هؤلاء ؛ فنبينا صلى الله عليه وسلم لا ينفعه مدح مادح ولا يضره جحود جاحد ، ولكننا سقنا هذه الأمثلة حباً وافتخاراً بنبينا ، وشعوري في ذلك تماماً مثل شعور أحدكم لو وجد كتباً يتحدث عن أمجاد والده أو جده أو قبيلته ـ مع فارق التشبيه طبعاً ـ .

وأعجب كل العجب من أناس لا يعتنقون دينه صلى الله عليه وسلم ورغم ذلك فهم يعجبون به ويبجلونه ، ويفردون له الصفحات في كتبهم وسط مجتمعاتهم المتشددة ، بينما بعض أبناء أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تحرك سيرته العطرة شيئاً فيهم ، فتراهم غافلين أبعد ما يكونون عن نهجه الكريم الذي أبهر الفلاسفة والعلماء والعظماء ولكنه بكل أسف لم يبهرهم !

* مشرف تربوي وإعلامي معروف في صحيفة الجزيرة

[email protected]

تعليق واحد على: نبينا بعيون منصفة

  1. 1
    متابع

    مبدع دائماً أستاذي القدير والمخضرم منيف خضير

    جميل أنت في كل شيء , بل إنك علامة مضيئة في سماء إعلام الشمال قبل أن تكون علامة مضيئة وشمعة تنير بها رفحاء .

    مقال ثري و شيق و مقال تبين لنا فيه مواهبك الكتابية المتناثرة في كل الجوانب الثقافية و الإجتماعية .

    مقال ثري ولماذا لايكون كذلك وهو يتحدث عن النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم .

    مبدع أستاذي أبو خالد .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تطوير :تصميم مصري لحلول الويب