في الطريق إلى غرفة العمليات

  • زيارات : 653
  • بتاريخ : 19-يوليو 2014
  • كتب في : مقالات

في الطريق إلى غرفة العمليات

د. سلطان التمياط*

اللحظات الصعبة التي تسبق إجراء عملية جراحية معقدة، تتكرر في كل مرة.
صحيح أنه مضى وقت طويل على تلك البدايات التي يكتسب بها الجراح ما يطلق عليه Learning curve (المؤشر التعليمي) إلا إنها تظل لدى الأطباء ذوي الضمير الحي هي نفسها لا تتغير.
الليلة السابقة ليوم العمليات نحرص على النوم المبكر، الحصول على ستة إلى سبعة ساعات من النوم إذ يعتبر شيئا ضروريا وحيويا ونفضل أن يكون قبل منتصف الليل.
يتحتم علينا التحكم بكل تلك الظروف التي قد تجلب التوتر أو القلق، لذا فإن العديد من الدعوات الاجتماعية من الأصدقاء لحضور مآدب الطعام وجلسات السمر يتم الاعتذار عنها، يحدث ذلك بحرفية عالية يصاحبها جهد كبير لشرح الموقف مع وعود بقبول الدعوة القادمة والحرص على عدم تجاهلها.
نحن أيضاً بحاجة ماسة لاستعداد وقبول من العائلة والأهل بأهمية هذا الوضع والابتعاد عن طرح أي موضوع قد يحتدم به النقاش، المكالمات التلفونية لا يتم الرد عليها في معظم الأحوال بل أن الهاتف يظل على الصامت، إلا إن الرسائل خاصة من المرضى يتم الرد عليها حسب الأهمية.
في الصباح الباكر وفي الطريق إلى العمل تستمر حالة الهدوء والتركيز العالي قدر الإمكان، نتوجه إلى مرضانا الذين قد تم تنويمهم ليلة البارحة أو في الصباح، هنا تبدأ مرحلة أخرى وهي اللحظات التي تسبق إجراء العملية والتي قد تكون الأولى لدى المريض وعائلته إذ يتم الاستماع جيداً لملاحظاتهم وأسئلتهم الأخيرة بصدرٍ رحب حينها يكون قد تم شرح كل التفاصيل للعملية واحتمال المضاعفات في زيارة سابقة في العيادة.
تمثل الأم بالنسبة لنا جزء مهما جداً من هذه المنظومة حيث يوجه لها الحديث بشكل مباشر ويشرح لها الخطوات العملية من مغادرة الغرفة حتى عودتها مرة أخرى ثم لا ننسى الطلب منها بأن تمدنا بالدعوات بالتوفيق والنجاح.
حين يتم نقل المريض إلى غرفة العمليات ومنها إلى صالة الاستقبال في العمليات، وهي عملية يومية روتينية للعاملين في هذا القطاع لا تخلو أحياناً من بعض التصرفات التي تجلب التوتر والقلق للمريض الذي هو مقبل على لحظات مهمة، وقد تلقينا شكاوى بهذا الخصوص، نحن بدورنا نحاول التأكيد على الهدوء وتجنب الأحاديث الجانبية والمزاح والضحك أحياناً، بل إننا كطاقم طبي نحاول الحديث بلطف مع المريض وتقديمه بمرح لطبيب التخدير الذي يدفعه لغرفة العمليات بخطوات بطيئة مربكة للبعض.
بعد هذه السنوات الطويلة من العمل المنظم والمسؤول بهذه الطريقة تصبح خطوات العملية لنا ولمساعدينا ولكادرنا الطبي أقل توتراً بفضل من الله سبحانه.
نحاول قدر المستطاع حتى في حالة تعرضنا لمواقف جراحية غير متوقعه (نادرة الحدوث) التحلي بالصبر وضبط النفس والهدوء حتى تتم السيطرة على الموقف.
نخرج من غرفة العمليات وفي الغالب نجد من يتلقفنا عند باب العمليات ينتظرون سماع ما يوحي بنجاح العملية، إلا أن الابتسامة تسبق كلماتنا في أحيانٍ كثيرة.
هذا التعب والجهد العظيم الذي يبذله الأطباء يزول بمجرد سماعهم كلمات الشكر والامتنان والدعوات الصادقة.
حدث ذات يوم أن تلقفتني والدة أحدهم اقتربت مني وهي تذرف دموعاً مزيجاً من القلق والفرح سحبت يدي وقبلتها قالت (ربي يحرم يدك عن جهنم يا وليدي) لا شعورياً قبلتُ رأسها وأصبحت المرأة الفاضلة منذ تلك اللحظة أمي عائشة.

*استشاري جراحة المناظير والبدانة المفرطة المدير الطبي لـ ( بدانة كلينك )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تطوير :تصميم مصري لحلول الويب