غريب في زمن الغرباء ( 2 )

  • زيارات : 1,407
  • بتاريخ : 1-أبريل 2012
  • كتب في : مقالات

أحاديث و أوراد الإطلالة الخامسة

غريب في زمن الغرباء(2)

هاني بن غربي الشمري*

رفحاء 9 /5 /1433هـ

يلخص العالم المجاهد عصام العطار سبب غربته بكلمات يسيرة كانت مقدمة لديوانه (رحيل) حيث يقول: (أهدي هذه الأبيات إلى كلّ الذين اضطروني على توالي السنين إلى الرحيل عن كلّ أرض عربية أقمت فيها أو زرتها : لأنّي لم أتنازل عن حريتي وكرامتي وطريقي الإسلاميّ المستقل المتميّز) وسأذكر في هذا المقال طرفا من مناسبة ديوان رحيل و أختار من الديوان بعض الأبيات الجميلة، أما المناسبة فهو استشهاد بنان بنت علي الطنطاوي زوجة عصام العطار الذي كان يسكن في مدينة آخن في ألمانيا هو وأهله وكان النظام البعثي المجرم يستهدفه ويريد قتله فلما لم يستطع قتله قتل زوجته بوحشية، وكتب عنها الشيخ الطنطاوي بعد ذلك مقالات تدمي القلب،

بدأ القصيدة بقوله:
رَحَلْتُ عَنْكُمْ عَليلاً ناءَ بي سَقَمي … وما تَنَازَلْتُ عَن نَهْجي وعَنْ شَمَمِي
أُتَابِعُ الدَّرْبَ لا شَكْوى ولا خَوَرٌ… ولَوْ نَزَفْتُ على دَرْبِ الإِباءِ دَمي
لا أَخْفِضُ الرّأْسَ ذُلاًّ أوْ مُصَانَعَةً… هَيْهاتَ هَيْهاتَ تَأْبَى ذاكَ لي شِيَمي
وكيفَ أَخْفِضُ هامي -وَيْحَكُمْ- ضَرَعاً… وقَدْ وَضَعْتُ على هامِ الدُّنَا قَدَمي
أَمْشي إلى الغُرْبَةِ الحَمْراءِ مِن دَمِنا… مَشْيَ الشَّهادَةِ فَوْقَ الخَوْفِ والأَلَمِ

عزة لا تستغرب ممن أتته الدنيا فردها لأجل مبادئه، وثبات على المبادئ رغم أن الغرض الأصلي من هذه القصيدة الرثاء، وعادة الشعراء أنهم يبدؤون قصائد الرثاء بالبكاء والحزن، وهنا يبدأ القصيدة برسالة إلى المجرمين بأن لا تنازل حتى ولو أسيلت الدماء ولو فعلوا الأفاعيل فثمة عقيدة في القلب لا يستطيع أحد تغييرها…

ثم ينتقل إلى الرثاء ..
« بَنَانُ » يا جَبْهَةَ الإسلامِ دَامِيَةً… ما زالَ جُرْحُكِ في قَلْبي نَزيفَ دَمٍ
« بنانُ » يا صُورَةَ الإخلاصِ رائِعَةً… ويا مِثَالَ الفِدَى والنُّبْلِ والكَرَمِ
« بنانُ » يا مُقْلَةً للبِرِّ ساهِرَةً… لأَبْؤُسِ النّاسِ قدْ ناموا ولم تَنَمِ
« بنانُ » يا مُنْتَهى الإيثارِ ما شهد الْـ… إِيثارُ مِثْلَكِ في خَفْضٍ ولا عُدُمِ
تَبْكِينَ منْ رَحْمَةٍ بالخَلْقِ خالِصَةٍ… وما بَكَيْتِ منَ الأَهْوالِ والوَصَمِ
« بنانُ » يا أُنْسَ أَيّامي التي انْصَرَمَتْ… ولَيْسَ يومُكِ في قلبي بِمُنْصَرِمِ
ويا رفيقَةَ دَرْبي والدُّنا ظُلَمٌ… نَشُقُّ دَرْبَ الهُدَى في حالِكِ الظُّلَمِ
عِشْنا شَريدَيْنِ عَنْ أَهْلٍ وعن وطَنٍ… مَلاحِماً من صِراعِ النُّورِ والقَتَمِ
الشَّرْقُ والغَرْبُ إلْبٌ في خُصُومَتِنا… أَنَّى اتَّجَهْنَا وَرَأْيٌ غَيْرُ مُنْقَسِمِ
وقَصْدُنا اللهُ لمْ نُشْرِكْ بهِ أَحَداً… ونَهْجُنا الحقُّ لَمْ نَرْتَبْ ولَمْ نَرِمِ

في ظل هذه الغربة و المرض وقتل الزوجة والتشرد لا يأس ولا ضجر وكيف ييأس المؤمن من روح الله وهو يسمع قول الله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)
ويقرأ حديث خباب –رضي الله عنه- أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ ، وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً شَدِيدَةً ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَلا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا ؟ فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ , فَقَالَ : ” إِنْ كَانَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ أَحَدُهُمْ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ , أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ ، فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللَّهَ ” رواه البخاري.

إنه التفاؤل بنصر الله إنها الثقة بالله، وأن وعده الحق، لذلك نراه يختم هذه القصيدة بهذه الأبيات المليئة بالتفاؤل بتغير الحال، وانقضاء عصر الظُّلْم والظُلَم …
الْيَأْسُ في دينِنا كُفْرٌ ومَنْقَصَةٌ… لا يُنْبِتُ اليَأْسَ قَلْبُ المُؤْمِنِ الفَهِمِ
طَلاَئِعُ الحَقِّ قد لاحَتْ مَواكِبُها… نُعْمى لِمُهْتَضَمٍ بُؤْسَى لِمُجْتَرِمِ
طَلائِعٌ رَسَمَ الرَّحمنُ غَايَتَها… ودَرْبَها الحُرَّ ، والطَّاغوتُ في رَغَمٍ
نَمْشي إلى الغَايَةِ الكُبْرى على ثِقَةٍ… عَزْمٌ حَدِيدٌ ونَهْجٌ غَيْرُ مُنْبَهِمِ
وأَنْفُسٌ قدْ شَرَاها اللهُ صادِقَةٌ… أَقْوَى منَ المَوْتِ والتَّشْريدِ والأَلَمِ
ما طَأْطَأتْ قَطُّ للطّاغوتِ صاغِرَةً… خَوْفاً وعَجْزاً وما أَلْقَتْ يَدَ السَّلَمِ
لنْ يَغْلِبَ الحَقَّ طَاغوتٌ فلا تَهِنُوا… ولو تَسَلَّحَ بالأفْلاكِ والرُّجُمِ
اللهُ أكبرُ والأَقْدارُ ماضِيَةٌ… أينَ الطَّواغِيتُ مِنْ عادٍ ومنُ إِرَمِ ؟
سَنَصْدَعُ الليلَ مَهْمَا اشْتَدَّ غَيْهَبُهُ… ونَحْمِلُ الفَجْرَ لِلإنسانِ والأُمَمِ
فَجْرٌ منَ العَدْلِ والإسلامِ مُؤْتَلِقٌ… نُهدي سَنَاهُ لأَهْلِ الأرضِ كُلِّهِمِ

إنه استشراف المستقبل قبل ثلاثين عاما بميلاد ثورة الحق، طلاع الحق قد لاحت مواكبها.. لن يغلب الحق طاغوت…سنصدع الليل …فجر من العدل… ألفاظ مليئة بالإيمان العميق بالله وأنه مطلع على كل شيء، ولن يترك الظالم على ظلمه، (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون)
نسأل الله أن يمكن لعباده المؤمنين في بلاد الشام، وأن يخذل بشار وزمرته، وأن يعجل بالنصر، آمين.
وإلى حديث وورد آخر بإذن الله.

*يحضر لنيل درجة الدكتوراه

تعليق واحد على: غريب في زمن الغرباء ( 2 )

  1. 1
    gadi

    هذه قصيدة لعصام العطار منشدة بصوت هاني الشمري
    http://www.youtube.com/watch?v=jbbU29SBTwg&feature=related

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تطوير :تصميم مصري لحلول الويب