حتى أنت يابروتس !

  • زيارات : 806
  • بتاريخ : 25-يوليو 2012
  • كتب في : مقالات

حتى أنت يابروتس !

منيف خضير*

اعترف أنني قبل ثلاث سنوات من الآن لم أفكر مطلقاً بكتابة موضوع كهذا لعدم قناعتي به ، ولكنني وقد وضعت قدماي على العتبة الثالثة من الأربعين أجدني ممتناً لهذه السنون التي فتحت لي نافذةً كبيرة نحو الحكمة لم تكن متاحة لي في غمرة الشباب ، فسن الأربعين هو سن الحكمة ، وهو سن النبوة ، حيث لم يكلف نبي قط قبل الأربعين ، فمن لم ينضج بعد الأربعين فمتى سينضج ؟
وقبل الأربعين لا يعي أكثر الناس دورة الحياة وسنتها الأزلية التي أدركها السابقون وسطروها على دفتر الحياة عبر حكم وأمثال كثيرة نمر عليها مرور اللئام لعدم استفادتنا منها ، فالكرام أفضل حالاً من مرورنا ذلك !
ففي الأدبيات العربية يقول العرب :
المستحيلات ثلاثة :
الغول والعنقاء والخل الوفي ، ما يهمني في هذه المستحيلات هو الخل الوفي ، تخيلوا هذا الكلام يقال في زمن العرب الأوائل حيث الوفاء في أبهى صوره ، حيث المبادئ التي تتلألأ ويراها من بعيد كل من يقرأ تاريخ العرب ليلاً أو نهاراً ، الخل الوفي يقصد به الصديق المخلص إخلاصاً حقيقياً ، ذلك الصديق الذي يضرب سعادتك في x ٢ ويقسم همومك على x ٢ ، فماذا نقول نحن اليوم عن الصديق ، وقد غرتنا ضحكات السن وجلسات نسمات الصيف الهانئة ، بعيداً عن المحكات الحقيقة لتلك الصداقات التي تفتقد في غالبها للصدق والمصداقية ؟
فصديقك من صدَقك لا من صدّقك …
ومن ينظر بعين أربعينية إلى الحياة العامة يجد العجب ، فموازين الحياة انقلبت رأساً على عقب ، أصبح الإنسان الطيب ساذجاً والكريم ( خبلاً ) ، وأضحى الوفاء عملة ً نادرة ً في سوق النخاسة البشري ، كنت إلى وقت قريب أمقت هذه المقولة :
” اتق ِ شر من أحسنت إليه ” ، كنت أراها تقطع المعروف بين الناس ، ولكني أؤمن حالياً أن أكثر الناس إيمانا ً بهكذا مقولات هم شريطية السيارات رغم أني لا أتعاطف مع أكثرهم ، ولكن من المؤكد تعرضهم لمواقف تنكر لهم فيها من يظنون أنهم أحسنوا إليه !
كثيرا ً ما يصدمك الشخص الأقرب إليك ، حتى أن الحياة لتبدو في عينيك وكأنها حلبة ملاكمة تقضي أول عمرك في تحاشي اللكمات الخاطفة ، ثم تقضي بقية عمرك في المحاولة الجادة للقيام مرة أخرى على قدميك بعد سقوطك المتكرر على يد من أحسنت إليه !
قبل أن أنسى عنواني فبروتس هذا رجلٌ سُجل اسمه في تاريخ الخيانة كأعظم من عض اليد التي امتدت إليه ، ولم يتقيد بالإحسان الذي يجب أن يقيده لو كان حراً يحفظ اليدا ؛ ولكنه لم يكن كذلك ، فنحن بني الإنسان حري بنا أن نشك في أكثر أبناء جلدتنا قبل أن نتفاجأ أنهم بروتس آخر ، كما شك الحكيم الشاعر المتنبي بالناس حينما قال :
وصرت أشك فيمن أصطفيه
لعلمي أنه بعض الأنام
ويقول ذات فلسفة :
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدوا ً له ما من صداقته بد
و” بروتس ” كان من المقربين جداً ليوليوس قيصر الذي حكم الامبراطورية الرومانية ، وكان يغدق عليه الأعطيات والأوسمة حتى ظن الكثيرون أنه ابنا ً له ، ويُروى أن المقربين ليوليوس قد تربصوا به طمعا ً في السلطة وقرروا أن يقتلوه بطعنه جماعية ؛ حتى يضيع قاتله بين القتلة ، وفي اجتماع مجلس حكومته ، فاجأه الجميع بسيل من الطعنات التي انهالت عليه في وقت واحد ، وكانت آخر طعنة تلقاها – وعينه لا زالت تنظر وتنتظر- كانت من يد صديقه المقرب بروتس ، وقال له يوليوس وهو يغالب شقوته ويقاوم دماءة الي تقوده إلى الموت :
حتى أنت يابروتس ؟!
فجلجلت هذه الكلمات مدوية ترسم ملامح الخيانة بأبشع صورها ، وقد تلقفها المبدعون وخلدها شكسبير وغيره في أدبياتهم ، وأعادوا قراءتها وكتابتها ورغم ذلك بقيت الخيانة كالجيفة تشم رائحتها قبل أن تراها ، فالخيانة إذا أتتك من البعيد فمنها تتعلم ، وإذا أتت من القريب فمنها تتألم !
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ً، ولا شك أن التاريخ يعيد نفسه عبر أدبيات تعتصر ألماً تجدها متناثرة في كتب التراث وفي حكاياتنا الشعبية تحكي مرارة خيانة القريب .
وقد يُقال عن صداقة مميزة نمت في ظروف صعبة إنها تنفي فكرة استحالة الخل الوفي ، ولا شك أن مثل هذه العلاقات موجودة لا ننكرها ، ولكنها شاذة والشاذ لا حكم له ، وفي رأيي أن الصداقة الحقيقية تبقى رغم زوال ما وجدت من أجله أصلا ً ، ويقال من أحبك لشيئ أبغضك لفقده وهذا الشرط مفقود في الصداقة الحقة ، فمن يحبك في الله – مثلاً – فلا يمكن أن يبغضك فيه ، وأعظم صداقة في التاريخ من وجهة نظري هي صداقة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق ، تلك الصداقة التي لم ترقص على أوتار الخيانة ، تلك العلاقة التي قد تتكرر لأن معيارها واضح وموجود عكس الصداقات الأخرى التي نوردها كأمثلة ناصعة في سياق حججنا ؛ ولكنها شوارد لن تتكرر لأن الهدف الذي نشأت بسببه قد يتغير !
ابحثوا عن أصدقاء حقيقيين في كنف الله ، فهو معيار الحب الذي لن يتبدل ، ابحثوا عنهم قبل أن ترددوا بحسرة :
” حتى أنت يا بروتس” !

*كاتب وصحفي في صحيفة الجزيرة ومشرف تربوي بمكتب التربية والتعليم بمحافظة رفحاء

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تطوير :تصميم مصري لحلول الويب