“بدون” عرعر ورفحاء: ولاؤنا لـ”ابن سعود”

رفحاء . منصور المزهم، سليمان العنزي، خضر العنزي (عرعر ـ رفحاء)

رغم المحاولات التي يبذلها “البدون” في إنهاء معاملاتهم المصيرية، بدءا من الجنسية، ومرورا بحصولهم على خدمات صحية وتعليمية، ووصولا لفرص عمل تساعدهم على الحياة، تتواصل معاناتهم بحثا عن حلول وتدخل من الجهات المختصة.
وترصد “الوطن” في حلقتها الثانية، حال أبناء القبائل العائدة إلى داخل المملكة في كل من عرعر ورفحاء، مؤكدين أن ولاءهم سيبقى لـ”ابن سعود” في الدار التي نشؤوا وتنفسوا فيها الأمن والأمان.
ويرى الرقيب أول متقاعد خلف الحميدي أن خدمته العسكرية لـ30 عاما بموجب شهادة ميلاد لم تشفع له للحصول على الجنسية، فيما يشير مدالله الشمري إلى أنه لا يعرف غير المملكة وطنا له ولأبنائه السبع، وأقاربه الذين ينتظرون فرصة لخدمة الوطن.

من شمال شرق المملكة إلى أقصى شمالها.. معاناة ممتدة بامتداد الجغرافيا والتاريخ، لأبناء القبائل العائدة إلى السعودية عقب رحلة قذفت بهم لخارج الحدود في وقت ما وظرف ما، قبل أن يقودهم الحنين إلى أرض نشؤوا فيها وعادوا إليها.
الحال في كل من عرعر ورفحاء، لا يختلف بشكل كبير عن حال أسر البدون في حفر الباطن، فالمشهد واحد والمطلب واحد.
تجاعيد أوجه رواة القضية، لا تشبه في تعقيدها سوى مجريات معاملاتهم التي لم تجد حلا، حريتهم سجينة مع أنهم طلقاء كيف لا وعلاجهم بالحيلة وتعليمهم لا يمكن إكماله وزيجاتهم غير موثقة، الأمر الذي رفع من أعدادهم وأطال من طوابير المطالبين بحل لقضيتهم.
10 سنوات من الانتظار
عويد نزول العنزي، من مواليد مدينة عرعر ويبلغ من العمر قرابة الـ25 عا، هو الوحيد بين أفراد أسرته وأقاربه الذي لا يحمل الجنسية السعودية، مبيناً أن لديه معاملة نظامية منذ أكثر من 10 سنوات مستوفية جميع الشروط.
وأشار عويد إلى أن اسمه مدرج في بيان اللجنة الخاصة رقم 350، وكان في انتظار صدور التوصية والحصول على الجنسية، أسوة بإخوته وأقاربه إلا أن هذا لم يتم، بل تفاجأ بإيقاف نشاط اللجنة، الأمر الذي تسبب في تعطيل معاملته.
وأضاف العنزي “لقد ولدت على أرض المملكة وتربيت على حب هذا الوطن وولائي وانتمائي للملكة العربية السعودية وقادتها، وهذا ليس بمحل شك، ولم تطأ قدماي أرضاً غير أرضها ولم يسبق لي مغادرة المملكة منذ أن ولدت”. وتابع نزول قائلاً: “إنني أعاني كبقية أبناء القبائل الذين لم يحصلوا على الجنسية من النظرة الدونية في المجتمع ومن بعض الموظفين في الدوائر الحكومية إضافة إلى صعوبة الحصول على عمل يعينني على مصاعب الحياة”
وأردف بالقول أنا شاب في بداية حياتي ولدي طموح كبير لخدمة البلد الذي ولدت ونشأت فيه، وأحلم ببناء أسرة إلا أن طموحي بدأ ينضب مع مرور الوقت.
وروى العنزي قصة مؤلمة تشخص وضع “البدون” وتوضح الصعوبات التي يعيشونها حيث قال: تقدمت قبل فترة قصيرة لخطبة إحدى الفتيات من أحد أقاربي.. ما كان له بعد أن أثنى على أخلاقي وسلوكي إلا أن اعتذر عن قبول طلبي ورفض تزوجي لأنني لا أحمل الجنسية السعودية، وأن النظام لا يسمح بذلك، حينها تألمت كثيراً وشعرت بالنقص والإحباط.

نوم الطرقات “المر”

أما سعد الشمري وهو أحد الذين لم يتمكنوا من الحصول على الجنسية السعودية، فقال: نعيش وضعا مأساويا فالوظائف الحكومية ليس لنا فيها نصيب ولا نجد عملا إلا بشق الأنفس، والشركات تستغل أوضاعنا وتوظفنا بمرتبات بخسة وبأقل مما يتقاضاه الموظفون الأجانب من الجاليات العربية أو الآسيوية، ولا نستطيع السفر إلا بتصريح من وزارة الداخلية.
وأضاف الشمري سافرت قبل عام ومعي زوجتي وطفلي إلى مدينة الدمام لعلاج طفلنا في إحدى مستشفيات الدمام، وعند وصولي في وقت متأخر من الليل أردت أن أسكن في شقة مفروشة فرفض موظف الاستقبال “مصري الجنسية” ذلك.
وأردف الشمري، “قال موظف الاستقبال لي هويتك غير مدرجة في النظام ولم يسبق أن رأيت هوية كهذه ولا أستطيع تأجيرك بدون هوية معترف بها”، موضحاً أن هذا الأمر تكرر معه مرات عدة، الأمر الذي أجبره على المبيت في السيارة هو وزوجته مع طفلهم المريض، ليلة كاملة في أجواء حارة ورطبة جداً.

حفيظة بعين “الرحمة”

أما حاتم خلف الخليل قصته مختلفة عن البقية، فهو لا يحمل بطاقة النازحين وله معاملة حفيظة نفوس مستوفية الشروط حسب قوله منذ عام 1426، ومسجلة في بيان المعرف نايف بن شاوي الخليل الشمري معرف الجعفر من شمر، إلا أنه لم يمنح الجنسية لعدم وجود صلة قرابة كأب أو أخ، إذ كانت صلة قرابته في الجد الرابع.
ويقول حاتم: منذ سنوات طوال وأنا أطرق الأبواب ولم أترك دائرة إلا وراجعتها، واستوفيت جميع الطلبات والشروط التي طلبت من قبل الأحوال المدنية بمحافظة حفر الباطن، بداية بالأوراق التي تثبت انتمائي لقبيلة شمر وشهادات الشهود والمعرفين وإثباتات السكن وشهادات ميلاد أبنائي، وبعد ذلك رفعت معاملتي إلى الإدارة العامة للأحوال المدنية في الرياض.
وقال الخليل: لكن تمت إعادة معاملتي من الرياض إلى أحوال حفر الباطن فطلبوا مني التعهد بعدم حملي جنسية أخرى وقمت بذلك، لترفع من جديد لأحوال الرياض بتاريخ 1427/11/5، إلا أنها لا تزال هناك دون أي جديد يذكر.
وتابع الخليل “أنا أب لـ7 أبناء وبنات ولا أحمل أي إثبات هوية عدا مشهدا من الأحوال المدنية يجدد كل 3 أشهر وأعيش معاناة حقيقية في إيجاد عمل وفي مراجعة الدوائر الحكومية والتنقل والسفر، وأبنائي وبناتي بلغوا سن الزواج ولا أعلم كيف أتعامل مع وضع كهذا وكلي أمل أن ينظر إلى وضعي بعين الرحمة والإنسانية وتنهى إجراءات حفيظتي بأسرع وقت.

مات الأب وفقدوا “الجنسية”

أم أمل أم لـ5 بنات جميعهن لا يحملن الهوية الوطنية، لهن معاملة تجنيس في الأحوال المدنية منذ عدة سنوات، ولم تنته معاناتهن حتى الآن، وزوجها سعودي الجنسية توفي منذ سنوات، تكالبت عليها الظروف بسبب عدم حملهن الجنسية حتى مماته. بدأت حديثها بالدموع قبل أن تروي معاناتها وقالت: أنا أم لخمس بنات وزوجي متوفى وهو سعودي الجنسية، إلا أنه -رحمه الله- لم يقم بإضافتي وبناتي الخمس في “كرت العائلة”، الأمر الذي تسبب لنا في هذه المعاناة التي نعيشها بشكل شبه يومي، فكل دائرة حكومية لها قصة معنا.
وأضافت قائلةً: بعض بناتي لم يتمكن من مواصلة دراستهن بسبب تأخر معاملتنا بالأحوال المدنية، فالمدارس تطلب منا تصحيح الوضع في كل مرة يأخذن فيها النتيجة، مشيرة إلى أن بناتها اللاتي يدرسن في المرحلة الابتدائية عندما أردن الالتحاق ببرنامج تكافل بالمدرسة رفض ذلك بحجة عدم وجود سجل مدني لهن، مردفة “أين نذهب ليس لنا وطن غير هذه الأرض لا نعرف سواها”.
وأكدت أم أمل أن هناك صك حصر ورثة باسم زوجها المتوفى، وقد سجل فيه أسماء بناتها الخمس.
وعن وضعها المعيشي قالت: أنا لا أعمل ولا يوجد من يعول أسرتي، إلا عم بناتي الذي أرهقته المصروفات، فهو يعول أسرته وظروف حياته صعبة والمتطلبات كثيرة.
وعن معاملاتها بالدوائر الحكومية أشارت أم أمل إلى أن كل دائرة حكومية تطلب منها رقم السجل المدني وهي لا تملك هذا الرقم، مضيفة “إحدى بناتي تعاني من خلع ولادة بالفكين وتحتاج لعملية جراحية حسب ما أفادني به مستوصف خاص في عرعر، لكن عدم وجود سجل مدني جعل الأمر مستحيلا أمامي”.
وختمت حديثها بالدمع الذي بدأت به فقالت: “أنا موضوعي ليس بذات أهمية، لكن الأهم هو موضوع بناتي فهن يردن مواصلة الدراسة والعيش كباقي بنات الوطن”.

رقيب أول متقاعد خلف العنزي

خدم 30 عاما.. بلا جنسية

أما الرقيب أول متقاعد خلف الحميدي العنزي الذي دخل العسكرية بموجب شهادة ميلاد صادرة من الرياض، التحق بموجبها بالقوات الجوية عام 1398، عندما كانت تعتبر ورقة ثبوتية آنذاك، وشارك مع القوات المسلحة في حرب الخليج. وأشار العنزي إلى أنه تقدم لإدارة أحوال حائل عام 1399، بطلب الحصول على هوية وطنية بموجب شهادة الميلاد والشهود ومعرف القبيلة، إلا أنه حدث خطأ باسم الجد والفخذ وطالب بتعديله، وتم رفعه إلى اللجنة المركزية بإدارة الأحوال المدنية بالرياض، ومازالت المعاملة دائرة حتى بعد تقاعده، الذي لم يستفد منه ولم يأخذ مستحقاته ولم يصرف له معاشه التقاعدي بسبب تأخر معاملة تجنيسه. وأوضح العنزي أنه لا يملك أي أوراق ثبوتية هو وأبنائه الـ13 “خمسة أولاد وثمان بنات”، سوى صورة من بطاقته العسكرية وشهادة ميلاده، مشيراً إلى أنه يعاني هو وأبناؤه من مراجعة المستشفيات، والتنقل والسكن وعدم وجود فرص عمل ودراسة لأبنائه، بسبب تأخر الهوية الوطنية. وأضاف العنزي، “خدمت هذا الوطن دون منة لأكثر من 30 عاما بالقوات الجوية من رتبة جندي إلى رقيب أول، إلا أن ذلك لم يشفع لي بسرعة إنجاز معاملة تجنيسي أنا وأبنائي”، مؤكداً أنه سعودي الأصل والمنشأ بمصادقة شهوده وشهادة ميلاده.

خنجر في خاصرة الحياة

كلمة “البدون” التي وصفها وليد الخالد بأنها خنجر في خاصرة حياته، روى لـ”الوطن” قصته قائلا: أنا من حاملي بطاقة القبائل النازحة، ولدت في عرعر على هذا الأرض وترعرعت هنا ولا أعرف غير هذا الوطن الغالي، ولدي شهادة ميلاد تثبت ذلك، كما أنني أحمل الشهادة الثانوية العامة قسم علمي.
وتابع الخالد حديثه مردفاً بالقول: إنني أعاني من هذه البطاقة بشكل عام، فيما يخص الوظائف وإن الإنسان يجتهد سنين طويلة لكي يبني مستقبلا مشرقا، إلا أنني أتفاجأ في كل مرة أبحث فيها عن عمل، بأنني مرفوض، بسبب هذه البطاقة التي أزهقت شبابي، وبددت أحلامي”، متسائلا “ماذا أكون إذا لم أكن سعوديا ومولدي في هذا الوطن وولائي له ؟”.
ووصف الخالد كلمة “البدون”، بأنها الكابوس الذي حرم كثيراً من الشباب الناجحين فكرياً، من مواصلة دراستهم الجامعية، مشيرا إلى أنه يعاني من مراجعة الدوائر الحكومية، مبيناً أنه دائما ما يسمع جملة تشعره بـ”الغبن”، وهي “أنت غير سعودي وليس لك الحق”. كما أن الخالد يعاني -حسب قوله- من معاملات الزواج وتأخير المعاملة وتعقيد الإجراءات، من جميع الجوانب، مبينا أن الميت إذا كان من فئة “البدون”، لا يدفن بنفس اليوم ويحتاج لمعاملة طويلة ليتم دفنه.
وواصل الخالد حديثه حيث قال: في مراجعات المستشفيات يعاملونني كأجنبي حيث إن العلاج بالأجر وخاصة طبيب الأسنان، بل إن الأجنبي معروف بهويته وله مرجع ودولة، إلا أنني ومن مثلي لا نعرف ماذا نصنع فنحن نعاني بحياتنا اليومية، مضيفاً “أصبحت كلمة -غير محددي الجنسية أو البدون- خنجرا في خاصرة حياتنا نعاني منها كل يوم”.
وأكد الخالد أن والده يحمل بطاقة القبائل النازحة منذ ٤٥ عاما، ومولده بالبادية، ويقوم بتجديد البطاقة كل 5 سنوات، منوها أن أشقاءه يعيشون نفس المعاناة، التي يرويها، مبيناً أنه متزوج من امرأة سعودية الجنسية ولديه عقد الزواج ولا يستطيع استخراج كرت عائلة للسبب الرئيس وهو أنه من فئة “البدون”.

مهدي

أياد لخدمة الإنسان

مهدي العنزي سعودي الجنسية متزوج من فئة “البدون”، زوجته تحمل “دبلوم تمريض” منذ 3 سنوات من معهد أهلي في عرعر، ولم تجد وظيفة بمستشفيات الدولة حتى الآن، والسبب في ذلك أنها تعامل معاملة مقيمة.
وقال العنزي في روايته أن زوجته كانت مضافة مع والدها ببطاقة القبائل النازحة، ثم تم فرزها عن بطاقة والدها بعد زواجها منه، إذ تمت إضافتها إلى كرت العائلة الخاص بهما، ومسجلة تحت كفالته برقم إقامة، ولم تمنح الجنسية السعودية. وأضاف العنزي “قمت بمراجعة الجهات المختصة ولم ينتج أي شيء حتى الآن بخصوص بموضوع تجنيس زوجته، وحاولت توظيفها في مستشفيات المحافظة، إلا أن الشؤون الصحية في المنطقة الشمالية رفضت ذلك، بحجة أنهم يريدون حملة البكالوريوس في تخصص التمريض فقط”.
وأردف العنزي حديثه قائلا: لقد تعبت من الوضع الذي تمر به زوجتي فهي محسوبة على هذا الوطن، ومن بنات هذا البلاد الغالية، ووزارة الصحة تستعين بكوادر بشرية صحية من دول أخرى، وتقوم بتوظيفهن وزوجتي لم توظف حتى الآن، وهي أولى بالعمل على خدمة بلادنا الغالية.

مدالله الشمري

ليس لنا وطن غير السعودية

يقول مدالله عشبان الشمري من القبائل النازحة إنه لا يعرف غير السعودية وطناً له ولأبنائه السبعة، مشيراً إلى أنه حصل على بطاقة القبائل النازحة عام 1410، وتعثرت معاملة تجنيسه بسبب وجود “سابقة” جنائية قديمة حرمته هو وأبناءه المولودين جميعاً بمحافظة رفحاء من الجنسية.
وأضاف الشمري “بات الحصول على الجنسية معاناة، وما يهمني مستقبل أبنائي الذين لم يستطيعوا إكمال تعليمهم الجامعي ولا الحصول على وظائف بسبب تجنيسهم مطالباً الجهات المسؤولة بالنظر في معاناتهم، ومعاناة القبائل النازحة”.
وبين الشمري أن معاناته لا تكاد تذكر أمام معاناة أبناء أخيه لافي الشمري الذي تم سحب بطاقة النازحين منه قبل وفاته بسبب وجوده بالقرب من الحرم الحدودي أثناء رحلة “تنزه”، الأمر الذي تسبب بحرمان أبنائه الستة من أي أوراق ثبوتية، واصفاً حال أبناء أخيه بالمأساوي خصوصاً أثناء تنقلهم بمحافظة رفحاء أو علاجهم بالمستشفيات.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تطوير :تصميم مصري لحلول الويب