بائعة الكبريت

  • زيارات : 722
  • بتاريخ : 15-يناير 2013
  • كتب في : مقالات

بائعة الكبريت

صالح الصعب*

لكل شيء إذا ما تم نقصان * فلا يغر بطيب العيش انسان
هذا البيت لايكاد يسمع به آحد حتى يحتضر لديه سقوط الأندلس وماتبعهُ من ذل وهوان للأمة الرائدة آن ذاك ، وأقصد أمتنا الإسلامية ، ولكن نريد أن ندير المعنى ونقلب الورقة بحيث نقرأ بروح التفاؤل ونستشعر الايجابية بفهمنا المقلوب الجديد ، وهو أن نقول لكل طغيان إذا ماأتى فله نقصان بمقابلهِ المضاد العزة والتمكين ، تبدأ من مخيم الزعتري الذي مازال الوافدون إليه من أرض البركات والملاحم زرافاتٍ وفرادى ، لقد كانت من بين جوانحهم العزة رغم الإضطهاد الفاضح ، بحيث أن كلاً منهم أخذ يجوب البلاد طلباً للرزق حتى لا يكون عالةً قدر المستطاع على من هم عليه الآن ، وقد رأيت أحدهم يبيع ألعاب آطفال ٍ بعمان ، ماإن تبادلنا النظرات حتى سقط مافي يده من ألعاب عندما سلَّم علي وآخذ يحدثي أنه سوري من المخيم ولسان حالهِ إن لم تشتري فإنك لم تشارك في حل قضيتي ، وكأننا أنا وهو خصمان إفتعلتهما الأحداث من حيثُ لاندري !!، واشتريت اللعبة بنية المساعدة لهذا البائع المكلوم ولم تستطع يدِيَ أن تمتد للعبة ، ومضى كلاًّ منا لحالهِ ، ولم نُطل النظرات والكلام لأن الحال كانت في قمة التعبير عن الحال .
كان من بين المناضلين في المخيم الذين لم ينتظروا المساعدات التي تأخرت أيما تأخير ، فتاة ناشطةٌ ليست بالمعنى السياسي المرعب ، بل بالمعنى الإنساني تجوب المخيمات تبيع الكبريت لتشعل ضوء الدفئ وتنير ماأطفأهُ الظلم ، وتقتات الفتات من المال من هذه التجارة الرابحة ، لقد أضاءت والله شمعة في جنح الظلام الحالك وسلكت طرقاً لم تكن معبدةً من قبل ، بعزيمة الأنبياء وإصرار المتفائلين ، ولك أن تقول هو المدد الإلهي بعينه الذي يتنزل في قلب الحدث ويخرج العزيمة من رحِمِ المعضلة سليماً معافى ، لم تزل تجوب المخيم تسابق الزمن وتحديدا كانت تريد اللحاق بالشتاء ذلك الضيف الثقيل خاصة في ظرفهم الراهن بعدما كان ضيفاً باهي الطلّة يوماً ما ، تفرح بقدومه تلك الفتاة خلاف شعورها الآن ، لم يكن السباق متكافئاً لحكمة ٍ ربانية فكان السَّبقُ لذلك البرد القارس ومازالت بائعتنا تمارس المهنة كمثل أي متفائلٍ يحدوه الأمل ويستمطرُ رحمةَ ربه ، ومكان الصراع في المخيم قائماً على قدم وساق بينها و بين الأحوال الجوية منذراً بكارِثة إنسانية فلم تتعلّل بالمثل السائد – تكاثرت الظباء على خراش – !، فمضت البائعة كأنها لاتسمع ولاترى لما تحس به ًِ، مخلفَّة وراءها التحديات الكبيرة التي تبعثرت في مخيمها ، لم تزل تصاحب الإنذارات النصائح بالتوقف برهة ً حتى تمر هذه الكارثة ومن ثَم تعاود نشاطها ، فلم تنفع معها المبادرات ولا التهديد بالتخلي عن مُصابِها إن صرعها الصقيع إذ لا يوجد أدنى غوثٌ يلبي نداء المستضعفين فقالت لهم : معاذ الله أن أن تكون يدي السفلى حتى تسقط يداي كلتاهما، وفعلاً تمت كلِمة ربك ، وقد كانت أعدت العدة لتنطلق من الصباح باكراً، ولكن القدر كان أسرع من الأماني والطموح فأمرَ المطر المنهمر الذي إخترق الخيمة فجرفها إلى وسط المخيم لِيُجهِز على مابقيَ من طموحها ، فلم يغيض الماء ولم تستوِ على الجودي ولم تكن البائعة من الناجين فماتت .. ماتت بائعة الكبريت لأنها لم تجد المساعدات التي تكفلُ لها كرامتها ، ماتت لأن المسلمون غارقون في متاهات الغواية ، ماتت لأن العرب ماتت فيهم النخوة ، ماتت لأننا مازلنا ومانزال نكرهُ الفريق وأهلهُ معه فقط لأنه هزم فريقنا ، وآخيراً ماتت بائعة الكبريت لأن الله وحده أراد لها الحياة .

*كاتب مهتم بالقضايا الإسلامية والتربوية
* alsaab11394@

تعليق واحد على: بائعة الكبريت

  1. 1
    عبدالله

    مقال جميل لكن لو كانت هذه الفتاة هنا لداهمتها الهيئة أو البلدية أو اتهمها المتشددون

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تطوير :تصميم مصري لحلول الويب