الرطيان: لا تتوقعوا ممن جمع ثرواته من “شرهة” أو “هبشة” أن يهتم بقضايا المواطن

  • زيارات : 603
  • بتاريخ : 6-مارس 2012
  • كتب في : تحقيقات

– “يضيق صدري” إذا قالوا إنني أكتب لتسديد فواتيري
– سأبتكر ألف طريقة وحيلة لقول ما يجب أن يُقال حتى لو منعوني
– عندما لا تكون هناك “هوية” تحميها المؤسسات والقوانين سنظل نفكِّر بالهويات الصغرى
– الغريب أن الشعب السعودي يحفظ أسماء نصف أعضاء مجلس الأمة الكويتي ولا يعرف اسم أي عضو مجلس شورى
– أسوأ ما في المجتمع أنه لا يعرف حقوقه ولا يعمل للحصول عليها

حوار : شقران الرشيدي- سبق– الرياض: 

محمد الرطيان كاتب ، عُرف بصدق حروفه وجرأتها، واشتهر بندرة حواراته الصحفية.
الرطيان خصَّ “سبق” بحوار، تفاءل فيه بأحلام كثيرة لم تتحقق، وبكلمات لم تُكتب بعد.. وفي الوقت ذاته تخوَّف من الهوية العالمية التي صنعتها العولمة، قائلاً “إنها كذبة كبيرة؛ لأنها لا تمنح هوية بقدر ما تذيب الهوية الحقيقية وتفتتها”. يحدوه الأمل في معاقبة اللص الكبير؛ حتى لا يخرج لنا الكثير من اللصوص الصغار، و”يتشرعن” الفساد في المجتمع، ولا يعنيه إشكالية شكوى بعض الوزراء الكتَّاب والصحفيين، معتبراً أن الوزير في النهاية “موظف”؛ وعليه أن يتحمَّل نقد الناس له ولأدائه في العمل.
وقد تناول محمد الرطيان في حواره الكثير من المسارات الفكرية، التي وضع من خلالها النقاط فوق الحروف.

فإلى نص الحوار:

* يا تُرى، كم بقي من الحزن أو الفرح لتصل إلى نفسك؟
الحزن لا يبعد عني حتى انتظر الفرح الذي يعيدني إليّ. أنا رجل متصالح مع نفسي، وأعرف عيوبي جيداً، وأحاول أن أقاتلها بهدوء.

* يُقال إنك كالحاوي، تُخفي في جعبتك الكثير من الخدع المبهرة، والمناديل الملونة..
تراني بهذا الشكل؟.. هذا الأمر يسعدني كثيراً، وأتمنى أن كل الناس يرونني كاتباً، لكنه أمر – في الوقت نفسه – يعطلني، ويرضيني.. وأنا لا أريد أن أشعر بالرضا مما قدمته! هناك الكثير من الأحلام التي لم تتحقق حتى الآن، والكلمات التي لم تُكتب، والأفكار التي لم تخطر على البال.. ولا أزال أحلم وأركض على مضمار السطور بلياقة وأحلام “سنة أولى كتابة” نفسيهما، ولا أزال أقرأ بشغف التلميذ القديم نفسه.
* احترنا معك.. مرة تكتب “ما يُقال” في المجالس، ومرات تصرُّ على أن تكتب “ما لا يُقال” في المجتمع كله.. ما الذي تريد قوله بالضبط؟
أريد أن أقول ما يجب أن يُقال، وإن منعتني الموانع سأبتكر ألف طريقة وحيلة لقوله.. وسيفهم القارئ قولي.

* إلى أي مدى “يضيق صدرك” إذا قالوا: “دعك من الرطيان فليس سوى أحد بياعي الكلام، ومقالاته وكتبه تحت الطلب لتسديد فواتيره”؟
من حق أي قارئ ألا يروق له ما تكتبه، ومهما وصل قبول الناس لك ولما تكتبه ستجد بينهم من لا يحبك، ولا يحب قولك، أو على الأقل لا يستلطفه؛ لهذا من الطبيعي جداً أن أقبل قول أحدهم “دعك من الرطيان”، لكن لا ولن أقبل قوله “مقالاته وكتبه تحت الطلب”، هذا كذب وبهتان، وكلام رخيص، ومن حقي وقتها أن “يضيق صدري” – كما تقول – وأن أنفجر في وجه صاحب هذا التصريح.. ومع هذا لا أفعل!.. أتعامل مع ردود الفعل بهدوء، ولا أهتم بالصراخ الغبي.

* ألا تزال تشعر بالارتباك أمام “هوياتك الصغيرة”؟
عندما لا تكون هناك “هوية” جامعة وصلبة، تحميها المؤسسات والقوانين، سنظل نفكر بالهويات الصغرى؛ لنلجأ إليها وقت المحن. انظر للمجتمع العراقي بعد سقوط الدولة، وستفهم ما أريد قوله. ثم إن الهوية العالمية التي صنعتها العولمة كذبة كبيرة؛ هي لا تمنحك هوية حقيقية بقدر ما تذيب هويتك الحقيقية وتفتتها. الهوية: سؤال شائك ومخيف.. يبدأ من العائلة/ القبيلة، ولا ينتهي عند المعتقد والدولة.
* يمارس بعض المسؤولين والوزراء هذه الأيام شكوى الكتَّاب والصحفيين، هل أصبحت تخاف من أن تصلك دعوة لمثل ذلك؟
أبداً.. الوزير والمسؤول في النهاية “موظف” يحصل على الكثير من الامتيازات مقابل هذه الوظيفة، وفي كل مكان في هذا العالم لا يوجد قانون يحميه من النقد والمساءلة. القانون يحميه إذا أخطأ أحدهم عليه بغير حق، أو اتهمه بشيء ليس فيه.. وغير هذا، طالما أنه قَبل هذه الوظيفة العامة، التي تتداخل مع حقوق الناس ومطالبهم، فعليه أن يتحمل تذمر وانزعاج ونقد الناس له ولأدائه في العمل. الأمر الطبيعي ألا يخيفني غضب الوزير ولا غيره مما أكتبه، وألا يغضب هو مما أكتبه عنه وعن عمله. يجب أن تكون العلاقة بهذا الشكل.

* ما الفروقات السبع بين لص كبير وآخر صغير؟
لا أعرف الفروقات السبع أو العشر.. شيء واحد متأكد منه: عدم معاقبة اللص الكبير ستنتج لك الكثير من اللصوص الصغار، ومع الوقت ستتم “شرعنة” الفساد، وسنتعايش معه نحن المجتمع على أنه أمر طبيعي وعادي!

* في روايتك “ما تبقى من أوراق محمد الوطبان”.. لماذا حشدت كل هذا الكم من القيم الإنسانية “المتناقضة”، وفي النهاية تاه القراء، وتاه بطل الرواية بين “خبث” الجهاز، و”تطرف” الجماعة، وتفلُّت السيدة “تاء”؟
هل تاه القراء؟.. عظيم!.. هذا ما كنت أخطط له. أردت أن أضع القارئ في مواجهة مع كل تناقضاته. أردت أن يعلم المجتمع أن لديه أعراض انفصام حاد! “توهان” القارئ يجعلني أشعر بالطمأنينة، وأن “اللعبة” في الرواية قد نجحت بشكل ما. وعلى العموم، أياً كان رأي المتلقي تجاه هذا الكتاب، ومهما كان تصنيفه له، فأنا سعيد بهذا العمل، ويكفي أنه منحني أول جائزة في حياتي.

* وزير “يطرد” مواطناً، ومسؤول “يسخر” من طلبات مواطن، ومدير “يكرش” مواطن من مكتبه، وموظف “يجمِّد” معاملة مواطن.. إلخ، ماذا تتوقع أن يحصل للمواطن مستقبلاً؟
سيستمر الوضع كما هو، إلى أن يأتي وقت يتم فيه تفهُّم حاجات المواطن.

* مجلس الشورى ضم أكاديميين تعلموا في الخارج.. لكن أداءهم أصابنا بخيبة أمل في الداخل.. هل تتفق معي؟
مجلس الشورى، وهيئة الصحفيين السعوديين، وحقوق الإنسان الحكومية، وهيئة حماية المستهلك.. هذه “فاترينات” سياسية! أعطني عضو مجلس شورى منتخباً من المواطن أُعيدُ انتخابه إذا أنجز وأعيدُهُ لمنزله إذا أخفق؛ لحظتها ستحصل على مجلس شورى حقيقي وقوي. يا رجل، الشعب السعودي يحفظ أسماء نصف أعضاء مجلس الأمة الكويتي، ولا يعرف اسم أي عضو مجلس شورى!

* قبل “تويتر” كان كل كاتب يتبجح بأنه الأكثر جماهيرية ومتابعة.. وأتى “تويتر”؛ ليكشف المستور.. ما الذي تعنيه لك هذه المئات من الآلاف التي تتابعك؟

هؤلاء ليسوا مجرد رقم؛ هم أناس رائعون شرفوني بثقتهم، وأكرموني بمتابعتهم. هؤلاء ليسوا مجرد رقم؛ هم الجائزة الأعلى والمكافأة الأغلى ثمناً التي يحلم كل كاتب بالحصول عليها. هؤلاء ليسوا مجرد رقم؛ بل هم من منحني الرقم الأول والترتيب المتقدم؛ فلهم مني الشكر والمحبة والامتنان، والاعتذار عن أي تقصير تجاه التواصل معهم. أريد أن أقول لهم عبر “سبق”: أحبكم.. وأعتز بكم.

* في كل بطولة “يُشره” المنتخب والأندية السعودية بـ”بطاقات حمراء” زاهية.. إلى أي مدى أصابت “مشكلة الألوان” كرة القدم السعودية؟
ما أصاب “كرة القدم” السعودية هو الشيء نفسه الذي أصاب بقية الأشياء. الرياضة، وما أصابها من فشل، صورة مصغرة للصورة الكبرى. يا صديقي.. الأمة العظيمة عظيمة في كل شيء: تجدها تنجز في المعمل والمستشفى والحقوق والاقتصاد والتعليم.. والملعب كذلك! كرة القدم ليست لعبة، كرة القدم إدارة، وانتخابات تأتي بالشخص المناسب للقيادة، واقتصاد، وسياسة، وفن.. هل نتعامل مع الأمر بهذا الشكل؟.. هل ترانا نقاتل بوطنية في الملعب، أم نقاتل لأن المسؤول قال: “المكافأة مضاعفة”؟!!

* إذا وقف “جمع مذكر سالم” بجانب “نون النسوة” ماذا نسمي ذلك؟
لعله “اختلاط عابر” في جملة عابرة، وهذه بحاجة إلى فتوى أحد النحاة!

* بصراحة.. ماذا تفعل الحكومات “المتطورة” إذا كان الشعوب غير “متطورة”؟
حكومات “متطورة”! كيف؟.. لم أفهم، إلا إن كان هناك خطأ مطبعي في السؤال، وتقصد: الحكومات “المتورطة”!

* ما أسوأ ما في المجتمع؟
عندما لا يعرف حقوقه، ولا يعمل للحصول عليها.

* متى يحين الوقت للصحافة السعودية لتعيش دورها بوصفها سلطة رابعة؟
عندما يكون هناك سلطة ثانية وثالثة اسألني عن الرابعة.

* يُقال إن أغنياء السعودية احتلوا المراكز الأولى في التصنيف الأخير لأثرياء العالم.. والسؤال: أين هم من خدمة وتنمية مجتمعهم؟
قبل أن تسأل عن الخدمات التي يجب أن يقدموها لمجتمعاتهم علينا أن نمتلك جرأة السؤال الذي يقول: ما مصدر ثرواتهم؟.. أثرياء العالم هناك قوانين وأنظمة وحقوق وضرائب تجبرهم على تقديم الخدمة والتبرع والتفاعل مع مجتمعاتهم. يا عزيزي.. هناك أنظمة تسأل: من أين لك هذا؟ وهناك قوانين أخلاقية تسأل: وماذا قدمت أنت ومؤسستك – أو شركتك – للمجتمع؟ وبعد ذلك قل لي كيف تنتظر من شخص جمع ثروته من “شرهة” أو منحة أو “هبشه” أو مناقصة أو شراكة خفية أن يهتم بك ويتفاعل معك ومع قضاياك؟.. هذا لو لديه حيلة لسرق ملابسك!

* ألا تتفق معي أن حال بعض الرؤساء العرب محيِّر وغريب؛ فهم إما مقتول أو مخلوع أو هارب أو محروق.. لماذا لا يرحل الرؤساء العرب بكرامة وهدوء بدلاً من الإساءة التي يتعرضون لها؟
أياً كان شكل الغياب، وطريقته، وبشاعته.. “المستبد” في النهاية سيغيب، لكن السؤال الأهم: متى يغيب “الاستبداد” الذي أنتجه؟.. متى يتخلص العرب من “ثقافة الاستبداد”، التي تنتج لك كل يوم مستبدين جدداً!

* متى يكون الجوع خيراً من الشبع؟
لم ولن يكون الجوع خيراً من الشبع، إلا في حالتين: صوم مؤمن، وإضراب حُرٍّ عن الطعام.

* في مؤلفك “كتَاب” أصررت على أن تنكأ الجراح وتعري المستور.. لكنك لم تسمِّ الأشياء بأسمائها.. ما السبب؟
طالما أنني نكأت الجراح وعرَّيت المستور – كما تقول – فما قيمة الأسماء؟.. يكفي أن تفضح الحالة التي أنتجت هذه الأسماء، يكفي أن تلعن القبح لتعلن محبتك للجمال.

* قُلْتَ ذات مقال: “نصف الأسماء المهمة في البلد أتت من مدرجات قبيلة الهلال”.. وقُلْتَ كذلك: “لا يكره النصر إلا الرجال المهزومون”.. ماذا كنت تعني بكلتا العبارتَيْن؟
كل عبارة أتت في سياق مختلف، واحدة في مقال، والأخرى في رواية، والهلال والنصر في الحالة السعودية أكبر من مجرد ناديَيْن رياضيَيْن، وذكرهما في نص ما ربما هو لقول شيء لا يُقال!

* معرض الرياض الدولي للكتاب اليوم الثلاثاء.. هل هناك جديد؟
نعم.. هذا العام وقَّعت عقداً مع دار “مدارك” لنشر كل إصداراتي عن طريقها، وبدأنا بطبعات جديدة من رواية “ما تبقى من أوراق محمد الوطبان” وكتاب “محاولة ثالثة”، إضافة إلى كتاب جديد هو “وصايا”، وسأكون هناك – بحول الله – منذ أول يوم لتوقيع الكتب واللقاء بالأصدقاء، وآخر الشهر – إن شاء الله – سأكون في معرض أبو ظبي للغاية نفسها.

* ما الذي لا يعرفه الناس عنك؟
ما لا يعرفه الناس عني أنا الذي اخترت ألا يعرفوه.. ولن أخبرك في هذا اللقاء ما هو! الناس يهمهم ما أقوله وما أكتبه، ولا يعنيهم ما أفعله في حياتي الخاصة.

2 تعليقين على: الرطيان: لا تتوقعوا ممن جمع ثرواته من “شرهة” أو “هبشة” أن يهتم بقضايا المواطن

  1. 1
    عيد الركاد

    دائما رائع ابا سيف تمنيت ان يطول الحوار اكثر ….الى الإمام وفقك الله ونحن بإنتظار جديدك

  2. 2
    محمد الشيحي

    أبو سيف دائماً ممتع
    لقاء ممتع وأسئلة ممتعة وإجابات رائعة من الممتع والمبدع أبو سيف

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تطوير :تصميم مصري لحلول الويب