«ابن مساعد» رجل الدولة الأمين، والأمير المتواضع الحكيم، صاحب مدرسة متفردة في الإدارة والإرادة

  • زيارات : 153
  • بتاريخ : 12-يوليو 2015
  • كتب في : محليات

رفحاء اليوم . مطر العنزي : رحل الأمير الوالد عبدالله بن عبدالعزيز بن مساعد، صاحب مدرسة التواضع والحكمة والحنكة، الذي أفنى حياته خدمة لدينه ووطنه، رجل الدولة الفذ، والأب والإنسان والموجه الذي تعلم الجميع منه الكثير، من قدرات قيادية وإدارية بارزة، وصفات حباه الله بها، من سمو في الخلق الرفيع والمكارم والشيم والتواضع والحلم التي يندر وجودها إلا في قلة من الرجال، كان – يرحمه الله – غيورا على منطقة الحدود الشمالية محبا لأهلها يسعى من أجل خيرها، ذا قلب رؤوف مُحب للناس يتألم لألمهم ويفرح لفرحهم مشاركا لهم في السراء والضراء.

مولده ونشأته

ولد صاحب السمو الأمير عبدالله بن عبدالعزيز بن مساعد بن جلوي آل سعود – يرحمه الله – في حائل بتاريخ 20 ذي القعدة لعام 1348هـ، وهو الابن البكر لأبيه صاحب السمو الأمير عبدالعزيز بن مساعد بن جلوي آل سعود – يرحمه الله – الذي يلتقي نسبه مع الملك عبدالعزيز – يرحمه الله – في الجد الثالث الإمام تركي بن عبدالله آل سعود – يرحمه الله – وهو أحد الرجال الذين شاركوا في فتح الرياض مع الملك المؤسس عبدالعزيز – يرحمه الله – عام 1319هـ، الذي كان له الساعد الأيمن والصديق المخلص، والقريب البار، والأخ المطيع والقائد الذي يعتمد عليه ويحظى بثقته، فلم يخض المؤسس معركة إلا كان من أوائل المبادرين، فشهد معه كل المعارك إبان مرحلة التوحيد والتأسيس، وكان له دور جليل في توطيد الأمن والاستقرار في البلاد، وعرف عنه التقى والورع وأصالة الرأي ونبل الخصال والشجاعة والإقدام والحسم في المواقف التي تستدعي ذلك مقابل الرأفة والإنسانية لكل من يستحقها.

قال عنه الملك عبدالعزيز: (أنا وعبدالعزيز واحد، وإذا قال في أمر فإنه قولي) عين أميرا على القصيم عام 1339هـ ثم أميرا على حائل عام 1341هـ وبقي أميرا عليها حتى عام 1391هـ، توفي يرحمه الله ليلة السبت 1-3-1397هـ بعد حياة حافلة بالكفاح والعطاء والتضحية والإخلاص في خدمة البلاد.

ونشأ صاحب السمو الأمير عبدالله بن عبدالعزيز بن مساعد آل سعود في كنف والده – يرحمهم الله – فنهل من معين مدرسته العامرة بالآداب الإسلامية الرفيعة والسجايا العربية الأصيلة والقلب العامر بالإيمان والتقوى والصلاح، واكتسب من الصفات والقدرات التي جعلته أهلا للمسؤولية بأرفع مستوياتها، ومثالا للمسؤول المخلص الذي يضع تحقيق الأهداف والغايات وتسخير الإمكانات وتذليل الصعوبات فوق كل اعتبار خدمة للوطن والمواطن.

مسؤوليات مبكرة

برزت إمارات النجابة والنبوغ تظهر على سموه في سن مبكرة من عمره مكتسبا الصفات القيادية والحنكة الإدارية من أبيه، مما جعله موضع ثقة الملك المؤسس الذي أنس منه رشدا وأهلا في تسيير أمور الرعية والقيام على شؤونهم بالرعاية والعناية، فجاء الأمر بتعيينه أميرا على منطقة القصيم في غرة شهر رمضان المبارك من عام 1366هـ وعمره لم يتجاوز الثامنة عشرة.

أميراً على الحدود الشمالية

بعد حياة عملية حافلة بالعطاء دامت ما يقارب عشرة أعوام في منطقة القصيم جاء الأمر الملكي من الملك سعود – رحمه الله – بتعيين سمو الأمير عبدالله بن عبدالعزيز بن مساعد أميرا على منطقة الحدود الشمالية كأول أمير لها بعد إلغاء محافظة خط الأنابيب، ليواصل سموه واجبه الوطني في أعمال هذه الإمارة الفتية التي تم تأسيسها في 16-3-1376هـ .

فالعلاقة بين الحدود الشمالية وبين أميرها لم تكن مجرد علاقة مسؤول بوظيفة، بل هي علاقة تاريخية إنسانية، فقد ارتبط تاريخ المنطقة بتاريخ سموه؛ فتاريخ الحدود الشمالية يشهد له على بداية تطورها وازدهارها، ففيها عاش زهرة سنوات عمره، ومعه عاشت ترفل بالنماء والرخاء منذ أن تسنم إمارتها.

فهو رجل دولة بامتياز، ذو شخصية قيادية رفيعة، قوي الإيمان ثابت العزيمة خالص الإرادة صافي النية نقي السريرة، ذا تجربة عميقة في الحياة، وعى دوره ومسؤوليته في تنمية ورقي المنطقة التي كانت نائية لا مكان للحياة المستقرة فيها إلى أن آلت إليه مسؤولية إمارتها متسلحا بالحكمة والحنكة والحلم ورجاحة الرأي وبعد النظر، فحزمه بلا شدة ولينه بلا تراخي، أصبح له مدرسة متفردة في حسن الإدارة المتسمة بقوة الإرادة وصدق العزيمة والإصرار على المضي قدما نحو البناء التنموي الاقتصادي والاجتماعي والعمراني وتحقيق مظاهر التنمية الشاملة في المنطقة تجعلنا نعجر عن تصوير ووصف المشهد بالمفردات اللغوية العادية، فكان الرجل المناسب الذي وفى بكل ما عاهد الله عليه بهمة وأناءة وبثقة وطنية عالية وبروح سامية وبإحساس وطني شفاف ورفيع.

مهام أمنية وسياسية:

شارك سموه – يرحمه الله – بنشاط أمني وسياسي في تنمية علاقات حسن الجوار والتعاون بين المملكة والدول الشقيقة المجاورة، وما يتعلق بمفاوضات الحدود الشمالية للمملكة مع جيرانها، عملا بالتوجيهات السامية من القيادة الرشيدة، فحضر سموه عدة لقاءات في الداخل والخارج تحقيقا لهذا الهدف.

* ففي 15-2-1393هـ مثل سمو أمير منطقة الحدود الشمالية الأمير عبدالله بن عبدالعزيز بن مساعد آل سعود و قائد عام سلاح الحدود الفريق عبدالله آل شيخ الجانب السعودي في مؤتمر رفحاء لتسوية الخلافات على الحدود مع دولة العراق الذي حضره من الجانب العراقي محافظ لواء السماوة عيادة الصديد.

* وفي 26-3-1393هـ لبى سموه الدعوة الرسمية التي وجهها له محافظ لواء السماوة لزيارة محافظته، حيث أسهمت هذه الزيارة في توثيق علاقات حسن الجوار بين البلدين الشقيقين.

* وفي 7-3- 1394هـ زار محافظ السماوة الجديد محمد الشامي منطقة الحدود الشمالية، تلبية للدعوة التي وجهها له سموه حيث جرى خلال هذه الزيارة استئناف بحث مشاكل الحدود بين البلدين الشقيقين والوسائل الكفيلة لحلها.

* وفي 20-10-1394هـ لبى سموه الدعوة الرسمية التي وجهها له محافظ لواء السماوة، وخلال هذه الزيارة تلقى العديد من الدعوات الرسمية من محافظي بغداد والنجف وبابل فقبل سموه دعواتهم فزار النجف ثم زار بغداد حيث استقبل استقبالا رسميا حافلا وحل ضيفا على الحكومة العراقية ونزل أثناء إقامته في بغداد في قصر المنصور. كما زار القصر الجمهوري وسجل اسمه في سجل الزائرين، وقام سموه بزيارة السفارة السعودية. كما اجتمع سموه بوزير الداخلية العراقي سعدون غيدان في مقر وزارة الداخلية ببغداد وحضر الاجتماع مع سموه سفير المملكة لدى العراق الأستاذ علي الصقير ، وحضر من الجانب العراقي إلى جانب وزير الداخلية كل من محافظ بغداد ومحافظ السماوة، وفي هذا الاجتماع تم الاتفاق نهائيا على جميع الأمور المتعلقة بالحدود بين البلدين، كما تم الاتفاق على مسح الحدود وتخطيطها بصورة نهائية. وعقب هذا الاجتماع أقام محافظ بغداد حفل عشاء على شرف سموه والوفد المرافق، وقد حضر الحفل عدد من كبار الشخصيات الرسمية العراقية.

ومن بغداد توجه سموه إلى محافظة بابل فزار منشآتها الحديثة ومعالمها الأثرية التاريخية وكان محافظو (بغداد والسماوة والنجف وبابل) يرافقون سموه خلال تجواله وتنقلاته.

* وفي 1395هـ وجه محافظ الأنبار محمد العناز لسموه دعوة رسمية لزيارة المحافظة، وذلك ردا على الزيارة التي كان سعادته قد قام بها إلى مدينة عرعر في 17-11-1394هـ، وقد لبى سموه الدعوة في 12-3-1395هـ، وكانت هذه الزيارة استمرارا للزيارات الودية المتبادلة بين الجانبين، والتي تهدف إلى إرساء قواعد حسن الجوار وتوثيق العلاقات الأخوية بينهما.

* وفي ربيع أول عام 1401هـ قام الرئيس العراقي السابق صدام حسين بزيارة لسمو أمير المنطقة الأمير عبدالله بن عبدالعزيز بن مساعد في عرعر وذلك في طريقه لحضور المؤتمر الإسلامي الثالث المنعقد بمكة المكرمة، وقد استقبله بالمطار سمو أمير المنطقة ورافقه إلى قصر الضيافة العامر، وتناول طعام الغداء واستراح لعدة ساعات قبل مغادرته.

من خصاله

* عرف عن سموه دقة المواعيد وحرصه على الوقت، واعتماده على النفس في العمل فهو يباشر جميع الأعمال التي ترد إليه ويباشرها بنفسه بدقة ودراسة متأنية وافية، ثم يبت فيها متوخيا إحقاق الحق والعدل وحكم الشرع.

* رغم مهامه الجسام وكثرة الأعمال والمشاغل المناطة به كحاكم إداري، فقد عرف عن سموه أنه بإمكان أي شخص أن يزوره في مكتبه في أي وقت من ساعات عمله بلا موعد، ودون أي حاجب أو حاجز أو حارس من دون سموه، فلم يأنف من أي ذي حاجة، ولم تشغله كثرة الأعباء والمسؤوليات عن رد أي شخص يود مقابلته والحديث المباشر إليه، مدركا سموه أن هذا هو واجب من واجباته، وأن التواصل مع الناس دون حجاب هو الذي يمد جسور الثقة بين المسؤول والمواطن، ويحل كثير من المشاكل قبل أن تأخذ البعد القانوني ويسهم في تفادي كثير من الخلافات.

* وعرف عن سموه كرهه المديح والثناء على أي عمل يقوم به كونه يعتبر أن ما يقوم به هو واجب يؤديه يحرص على إنجازه على الوجه الذي يرضي الخالق.

* ومن ملامح شخصية سموه التسامح والتواضع ولين الجانب والقرب من الناس في كل شؤونهم مع قوته وحزمه في الحق الذي لا يعرف المجاملة فيه، لذلك يكره النفاق والتزلف وليس للمداهنين أو المنتفعين مكان عنده.

* وقد اعتاد أهالي المنطقة رؤية سموه في جولاته التفقدية دون حراسة أو موكب فهذا هو ديدنه وعلى ذلك جرت عادته.

مجلسه اليومي

في كل مساء كان سموه يستقبل في مجلسه العامر أطيافا من المجتمع على اختلاف شرائحهم ودون خصوصية لأحد، يستمع منهم ويستمعون إليه في جو تسوده الألفة، فحديث سموه مع زائريه يتسم بالبساطة والعفوية فكلماته وتعابيره مليئة بالأمثال والحكم وعمق التجربة في الحياة والوضوح والشفافية حيث يمتزج التواضع والبساطة بالهيبة والوقار.

أياد بيضاء

ولسموه أياد بيضاء ندية بالبذل والعطاء وتقديم العون والمساعدة للمحتاجين والضعفاء، ويحرص أن يظل ما يقدمه للآخرين من عون أو مساعدة سرا لا يعلمه إلا الله.

وقام سموه بإنشاء العديد من المرافق في المنطقة على نفقته الخاصة ونذكر منها على سبيل المثال: بناء عدد من الجوامع في المنطقة، ومنها جامع سموه الذي يعد تحفة معمارية فريدة ومعلم من معالم عرعر الحضارية بني على مساحة 10 آلاف م2، ويحوي مكتبة تحوي آلاف الكتب والمجلدات، وتقام فيه المحاضرات الدينية، كما يضم حلقات لتحفيظ القران الكريم للبنين ،وملحق بالجامع دار الفرقان لتحفيظ القرآن الكريم للبنات.

كما تبرع سموه بإنشاء مركز للقلب ألحق به مركزا للقسطرة هو الأول في شمال المملكة، ومركز للكلى ووحدة العناية المركزة بمستشفى عرعر المركزي. وغيرها من أعمال الخير التي بذلها وكان لا يرضى إطراءها أو الحديث فيها.

وبعد

إن القراءة الأمينة لمسار فترة ستة عقود في خدمة هذا الجزء الغالي من بلادنا ووقوفنا أمام التطورات والتحولات الحضارية التي شهدتها منطقة الحدود الشمالية تجعل من عاش هذا المشهد يدرك تمام الإدراك النقلة الكبرى التي حدثت في حياة المنطقة وسكانها، فالحقائق الماثلة والوقائع الحية والملموسة تتحدث عن إنجازها بنفسها ولا تحتاج إلى دليل ذلك هو ما حققه سمو الأمير عبدالله بن عبدالعزيز بن مساعد آل سعود- يرحمه الله – في ظل دعم ورعاية من قيادة البلاد الرشيدة.

رحمك الله أبا خالد وجعل مثواك الجنة لما قدمت وبذلت في خدمة دينك ووطنك، فكنت مثالا للأمير الصالح ومن الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تطوير :تصميم مصري لحلول الويب