أحاديث وأوراد الإطلالة الثانية ( بين عمر وجرير )

  • زيارات : 737
  • بتاريخ : 30-ديسمبر 2011
  • كتب في : مقالات

أحاديث وأوراد
الإطلالة الثانية
17 /1 /1433هـ
(رفحاء)
بين عمر وجرير

هاني بن غربي الشمري*

تساءل بعض الإخوة عن معنى (أحاديث وأوراد) وعلاقتها بما أكتب،والجواب أنه حينما أكتب مقالاً في هذه السلسلة فإنه يتكون من قسمين: القسم الأول: الشعر المنقول ويكون من الشعر الذي حفظته قديماً وأردده دائماً حتى أصبح كأنه ورد يومي. والقسم الثاني: التعليق الذي أذكره بين ثنايا هذه الأبيات فهو بمثابة الحديث.
أما حديثنا اليوم فقد روى صاحب المستطرف في كل فن مستظرف عن ابن الكلبي قال:
لما أفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز وفدت إليه الشعراء كما كانت تفد على الخلفاء من قبله فأقاموا ببابه أياما لا يؤذن لهم في الدخول حتى قدم عدي بن أرطأة عليه -وكان منه بمكانة- فتعرض له جرير وقال:
يا أيها الرجل المزجى مطيته … هذا زمانك إني قد خلا زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه … أني لدى الباب كالمشدود في قرن
لا تنس حاجتنا لاقيت مغفرة … قد طال مكثيَ عن أهلي وعن وطني
فقال: نعم يا أبا عبد الله، فلما دخل على عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- قال: يا أمير المؤمنين الشعراء ببابك وألسنتهم مسمومة وسهامهم صائبة. فقال عمر -رضي الله عنه-: فمن بالباب؟ فذكر من بالباب فردهم إلا جرير، فقال: ادخل يا جرير فدخل وهو يقول:
إن الذي بعث النبي محمدا … جعل الخلافة في الإمام العادل
وسع الخلائق عدله ووقاره … حتى ارعووا وأقام ميل المائل
إني لأرجو منه نفعا عاجلا … والنفس مولعة بحب العاجل
والله أنزل في الكتاب فريضة … لابن السبيل وللفقير العائل
فلما مثل بين يديه قال: يا جرير اتق الله ولا تقل إلا حقا فأنشأ يقول:
كم باليمامة من شعثاء أرملة … ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر
ممن يَعُدّك تكفي فقد والده … كالفرخ في العش لم يدرج ولم يطر
أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت … أم قد كفاني ما بلغت من خبري
إن الخلافة جاءته على قدر … كما أتى ربه موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها … فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
الخير ما دلت حيا لا يفارقنا … بوركت يا عمر الخيرات من عمر
فقال: والله يا جرير لقد وافيت الأمر ولا أملك إلا ثلاثين دينارا فعشرة أخذها عبد الله ابني وعشرة أخذتها أم عبد الله ثم قال لخادمه ادفع إليه العشرة الثالثة. فقال: والله يا أمير المؤمنين إنها لأحب مال اكتسبته ثم خرج فقال له الشعراء: ما وراءك يا جرير؟ فقال: ورائي ما يسوءكم خرجت من عند أمير يعطي الفقراء ويمنع الشعراء وإنني عنه لراض ثم أنشأ يقول:
رأيت رقى الجن لا تستفزه … وقد كان شيطاني من الجن واقيا
حينما نقرأ هذه القصة نلاحظ عدة أمور:
أولا/ أن من عدل الإمام أن لا يمكن لشعراء الكذب والمدح المذموم في ديوان الخلافة حيث إن من عدل الإمام أن لا يعطي الشعراء الأعطيات والهبات ويترك الضعفاء ممن لا يستطيع الدخول عليه.
ثانيا/ أن عمر بن عبد العزيز –رحمه الله- لم يسمح إلا لجرير لأنه أتقاهم لله وكان يقول له: اتق الله ولا تقل إلا حقا، ولم يفرح بهذا المدح مع أنه فوق ما قال جرير.
ثالثا/ أن عمر لما أراد أن يعطيه أعطاه من ماله الخاص الذي أكتسبه بتعبه وليس من بيت المال.
رابعا/ أن أول من يكره الإمام العادل هم المرتزقة الذين يمنعهم الإمام من الأعطيات التي تأتيهم بغير حق، ويساوون بعامة الناس.
خامسا/ أن عمر –رحمه الله- لم يكن يملك إلا ثلاثين دينارا ولم يكن يأخذ من مال المسلمين شيئا.
خامسا/ عمر بن عبد العزيز –رحمه الله- كان يحكم من اليمن جنوبا وحتى تركيا شمالا ومن بلاد ما وراء النهر إلى المحيط الأطلسي، ومع ذلك لم تسمح له نفسه الزكية بأن يُمدح بما فيه فكيف بمن يملك قطعة صغيرة من الأرض مقارنة بعمر ويطلب الشعراء ويعطيهم الأموال الطائلة مقابل أن يمدحوه بالكذب؟!
وقفة:
مما يزهدني في أرض أندلس … أسماء معتمد فيها ومعتضدِ
ألقاب مملكة في غير موضعها … كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسدِ
في زمن العدل وقوة الدولة الإسلامية لا يلقب الخليفة نفسه بل يجعل أعماله تصنع له لقبا عظيما
وفي زمن الظلم وضعف الدول الإسلامية يضع الخليفة لنفسه لقبا ويجبر الناس عليه.
وتفرقوا شيعا فكل قبيلة … فيها أمير المؤمنين ومنبرُ

وإلى ورد وحديث آخر – إن شاء الله- .

* معلم ( يحضر لنيل درجة الدكتوراه )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تطوير :تصميم مصري لحلول الويب