أحاديث وأوراد الإطلالة الثالثة

  • زيارات : 698
  • بتاريخ : 5-فبراير 2012
  • كتب في : مقالات

أحاديث وأوراد
الإطلالة الثالثة
رفحاء9/3/1433

هاني بن غربي الشمري*

إليك هذه القصة الجميلة وسأذكر في نهايتها بعض الفوائد:
قال ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد:
قال أحمد بن أبي داوود القاضي: ما رَأيتُ رَجلاً قَط نَزلَ به الموتُ، وعايَنَهُ، فما أدهشه، ولا أذهله، ولا أشغله عما كان أراده، وأحبَّ أنْ يَفعَلَهُ، حتى بلغه، وخَلَّصَهُ الله تعالى مِن القتل، إلا تميم بن جميل الخارجي، فإنه كان خرج على أمر المُعتصم، فأُخِذ، وأُتي به إلى المعتصم بالله. فرأيته بين يديه، وقد بُسِط له النَّطعُ والسيف (النطع هو بِساطٌ من الجِلد يوضع تحت مَن يُقتل بالسيف)، فجعل تميم ينظر إليهما، وجعل المعتصم يصعد النظر فيه، ويصوبه. وكان تميم رجلاً جميلاً، وسيماً، جسيماً، فأراد المعتصم أن يستنطقه، لينظر أين جنانه ولسانه، من منظره ومخبره. فقال له المعتصم: يا تميم، تكلم، إن كان لك حجة أو عذر. فقال: أما إذا أذن أمير المؤمنين بالكلام …
فأقول: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وقد خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، يا أمير المؤمنين، جبر الله بك صدع الدين، ولم شعث المسلمين، وأخمد بك شهاب الباطل، وأوضح نهج الحق، إن الذنوب تخرس الألسنة، وتعمي الأفئدة، وأيم الله، لقد عظمت الجريرة، وانقطعت الحجة، وكبر الجُرم، وساء الظن، ولم يبق إلا عفوك، أو انتقامك، وأرجو أنْ يكون أقربهما مني وأسرعهما إلي، أَولاهُما بإمامتك، وأشبههما بخلافتك، وأنت إلى العفو أقرب، وهو بك أشبه وأليق، ثم تمثل بهذه الأبيات:
أرى الموتَ بين السيفِ والنطع كامناً — يُلاحِظُني مِن حيثما أتلفّتُ
وأَكبَرُ ظنّي أنّك اليوم قاتلي — وأيُّ امرئٍ مما قضى اللّه يَفلَتُ
ومَن ذا الذي يُدلي بعذرٍ وحجّةٍ — وسَيفُ المنايا بينَ عينَيهِ مُصلَتُ
يَعزّ على الأوس بن تغلب موقفٌ — يهزّ عليّ السيف فيه وأسكتُ
وما جَزَعي مِن أن أموتَ وإنّني — لأَعلَمُ أنَّ الموتَ شيء مؤقّتُ
ولكن خَلفي صِبيَةٌ قَد تَرَكتُهُم — وأكبادُهم مِن حَسرةٍ تَتَفَتّتُ
كأنّي أراهُم حينَ أُنعى إليهِم — وقد خمشوا تلك الوجوه وصوّتوا
فإن عشت عاشوا سالمين بِغِبطَةٍ — أذودُ الأذى عنهُم وإنْ مِتُّ مُوِّتوا
فكم قائلٍ لا يُبعِدُ الله دارَهُ — وآخرُ جَذلانُ يُسَرُّ ويَشمَتُ
قال: فتبسم المعتصم.. ثم قال: أقول كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن من البيان لسحراً. ثم قال: يا تميم كاد والله أن يسبق السيف العذل، اذهب، فقد غفرت لك الهفوة، وتركتك للصبية، ووهبتك لله ولصبيتك. ثم أمر بفك قيوده، وخلع عليه، وعقد له على ولاية على شاطئ الفرات، وأعطاه خمسين ألف دينار.

بعد هذه القصة الماتعة إليك بعض هذه الفوائد:
أولا: تميم بن جميل قاد انقلاب مسلح ضد الخليفة المعتصم الذي كان شجاعا قويا وهنا نلاحظ شجاعة تميم مع تهوره وإلا لو قدّر تميم الأمر لما خرج لأن:
الرأي قبل شجاعة الشجعانِ . . . هو أول وهي المحل الثاني
فالمعتصم هو البطل الذي فعل الأفاعيل لأجل امرأة استنجدت به، فكيف بمن ينازعه الحكم؟؟!
ثانيا: كان من عادة العرب أن جمال الرجل ووسامته لا تعني شيئا إذا كان منطقه غير قويم ولذلك يقول حسان –رضي الله عنه-:
لا بأس في القوم من طول ومن ضخم جسم البغال وأحلام العصافيرِ
ويقول زهير:
كائنٌ ترى من صامتٍ لك معجبٍ . . . زيادته أو نقصه في التكلمِ
ولذلك استنطق المعتصم تميما ليرى منطقه من مظهره.
ثالثا: على عظم الجريرة فإن المعتصم لم يعجل بقتل تميما وإنما أمهله ليقدم عذره.
رابعا: من المتوقع أن يغشى على الإنسان حينما يصبح في موقف كموقف تميم ولا يلام على ذلك، لكن حينما تجتمع الشجاعة مع البلاغة فإن الخوف يزول واللسان يقول.
خامسا: إبداع تميم في الشعر لا يقل عن إبداعه في النثر.
سادسا: تفكير تميم بالحياة لم يكن لأجل شيء إلا لأبنائه الصغار وهنا تتجلى عاطفة الأب تجاه أبنائه فلا يريد أن يكونوا أيتام من بعده.
سابعا: وهنا يتجلى العفو فعلى عظم ذنب تميم إلا إن المعتصم عفا عنه وأطلق سراحه، فمن خرج بسيفه عُفي عنه وأُعطي ولاية وأُمر له بعطاء، فما بالك بمن هو أقل من ذلك مثل: المطالب بحقوقه المشروعة أو لأجل كلمة حق ولا يقصد منها الخروج، فمن المفترض أن يسمع له ولا يعتبر خارجيا، بل يشد بيده لكي يقول ما يراه حقا وتقابل الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان…
ثامنا: ما أجمل أن لا يستدعي الشاعر الشعر ويجعل الشعر هو من يطرق بابه..
والله وحده ولي التوفيق…

*يحضر لنيل درجة الدكتوراه

2 تعليقين على: أحاديث وأوراد الإطلالة الثالثة

  1. 1
    إبداع

    إبداااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااع

  2. 2
    أبو عبدالله

    سلمت يداك أبا حاتم ووفقك الله على جمال نقلك وعقلك :
    أيضا مما يستفاد :
    1/ المتهم بريء حتى تثبت إدانته واليوم يؤخذ البريء ليدان من خلال محاكم التفتيش ومن ثم لا حكم لا زيارة لا حقوق اللهم إلا إن أصيب بجلطة ونحوها يخرج كي لا يموت في السجن فتكون فضيحة (بجلاجل) .
    2/ الفكر بالفكر كما قال الأمير سلمان ولكن الواقع أن هذا في حال أن المهاجم ديننا وثوابتنا وقيمنا والسجن والقمع في حال مس جناب المخلوق وبالأدلة فلا فكر ولا مناظرة.فكم أبو غريب عندنا !!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تطوير :تصميم مصري لحلول الويب