أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / حتى أنت يابروتس !

حتى أنت يابروتس !

حتى أنت يابروتس !

منيف خضير*

اعترف أنني قبل ثلاث سنوات من الآن لم أفكر مطلقاً بكتابة موضوع كهذا لعدم قناعتي به ، ولكنني وقد وضعت قدماي على العتبة الثالثة من الأربعين أجدني ممتناً لهذه السنون التي فتحت لي نافذةً كبيرة نحو الحكمة لم تكن متاحة لي في غمرة الشباب ، فسن الأربعين هو سن الحكمة ، وهو سن النبوة ، حيث لم يكلف نبي قط قبل الأربعين ، فمن لم ينضج بعد الأربعين فمتى سينضج ؟
وقبل الأربعين لا يعي أكثر الناس دورة الحياة وسنتها الأزلية التي أدركها السابقون وسطروها على دفتر الحياة عبر حكم وأمثال كثيرة نمر عليها مرور اللئام لعدم استفادتنا منها ، فالكرام أفضل حالاً من مرورنا ذلك !
ففي الأدبيات العربية يقول العرب :
المستحيلات ثلاثة :
الغول والعنقاء والخل الوفي ، ما يهمني في هذه المستحيلات هو الخل الوفي ، تخيلوا هذا الكلام يقال في زمن العرب الأوائل حيث الوفاء في أبهى صوره ، حيث المبادئ التي تتلألأ ويراها من بعيد كل من يقرأ تاريخ العرب ليلاً أو نهاراً ، الخل الوفي يقصد به الصديق المخلص إخلاصاً حقيقياً ، ذلك الصديق الذي يضرب سعادتك في x ٢ ويقسم همومك على x ٢ ، فماذا نقول نحن اليوم عن الصديق ، وقد غرتنا ضحكات السن وجلسات نسمات الصيف الهانئة ، بعيداً عن المحكات الحقيقة لتلك الصداقات التي تفتقد في غالبها للصدق والمصداقية ؟
فصديقك من صدَقك لا من صدّقك …
ومن ينظر بعين أربعينية إلى الحياة العامة يجد العجب ، فموازين الحياة انقلبت رأساً على عقب ، أصبح الإنسان الطيب ساذجاً والكريم ( خبلاً ) ، وأضحى الوفاء عملة ً نادرة ً في سوق النخاسة البشري ، كنت إلى وقت قريب أمقت هذه المقولة :
” اتق ِ شر من أحسنت إليه ” ، كنت أراها تقطع المعروف بين الناس ، ولكني أؤمن حالياً أن أكثر الناس إيمانا ً بهكذا مقولات هم شريطية السيارات رغم أني لا أتعاطف مع أكثرهم ، ولكن من المؤكد تعرضهم لمواقف تنكر لهم فيها من يظنون أنهم أحسنوا إليه !
كثيرا ً ما يصدمك الشخص الأقرب إليك ، حتى أن الحياة لتبدو في عينيك وكأنها حلبة ملاكمة تقضي أول عمرك في تحاشي اللكمات الخاطفة ، ثم تقضي بقية عمرك في المحاولة الجادة للقيام مرة أخرى على قدميك بعد سقوطك المتكرر على يد من أحسنت إليه !
قبل أن أنسى عنواني فبروتس هذا رجلٌ سُجل اسمه في تاريخ الخيانة كأعظم من عض اليد التي امتدت إليه ، ولم يتقيد بالإحسان الذي يجب أن يقيده لو كان حراً يحفظ اليدا ؛ ولكنه لم يكن كذلك ، فنحن بني الإنسان حري بنا أن نشك في أكثر أبناء جلدتنا قبل أن نتفاجأ أنهم بروتس آخر ، كما شك الحكيم الشاعر المتنبي بالناس حينما قال :
وصرت أشك فيمن أصطفيه
لعلمي أنه بعض الأنام
ويقول ذات فلسفة :
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدوا ً له ما من صداقته بد
و” بروتس ” كان من المقربين جداً ليوليوس قيصر الذي حكم الامبراطورية الرومانية ، وكان يغدق عليه الأعطيات والأوسمة حتى ظن الكثيرون أنه ابنا ً له ، ويُروى أن المقربين ليوليوس قد تربصوا به طمعا ً في السلطة وقرروا أن يقتلوه بطعنه جماعية ؛ حتى يضيع قاتله بين القتلة ، وفي اجتماع مجلس حكومته ، فاجأه الجميع بسيل من الطعنات التي انهالت عليه في وقت واحد ، وكانت آخر طعنة تلقاها – وعينه لا زالت تنظر وتنتظر- كانت من يد صديقه المقرب بروتس ، وقال له يوليوس وهو يغالب شقوته ويقاوم دماءة الي تقوده إلى الموت :
حتى أنت يابروتس ؟!
فجلجلت هذه الكلمات مدوية ترسم ملامح الخيانة بأبشع صورها ، وقد تلقفها المبدعون وخلدها شكسبير وغيره في أدبياتهم ، وأعادوا قراءتها وكتابتها ورغم ذلك بقيت الخيانة كالجيفة تشم رائحتها قبل أن تراها ، فالخيانة إذا أتتك من البعيد فمنها تتعلم ، وإذا أتت من القريب فمنها تتألم !
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ً، ولا شك أن التاريخ يعيد نفسه عبر أدبيات تعتصر ألماً تجدها متناثرة في كتب التراث وفي حكاياتنا الشعبية تحكي مرارة خيانة القريب .
وقد يُقال عن صداقة مميزة نمت في ظروف صعبة إنها تنفي فكرة استحالة الخل الوفي ، ولا شك أن مثل هذه العلاقات موجودة لا ننكرها ، ولكنها شاذة والشاذ لا حكم له ، وفي رأيي أن الصداقة الحقيقية تبقى رغم زوال ما وجدت من أجله أصلا ً ، ويقال من أحبك لشيئ أبغضك لفقده وهذا الشرط مفقود في الصداقة الحقة ، فمن يحبك في الله – مثلاً – فلا يمكن أن يبغضك فيه ، وأعظم صداقة في التاريخ من وجهة نظري هي صداقة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق ، تلك الصداقة التي لم ترقص على أوتار الخيانة ، تلك العلاقة التي قد تتكرر لأن معيارها واضح وموجود عكس الصداقات الأخرى التي نوردها كأمثلة ناصعة في سياق حججنا ؛ ولكنها شوارد لن تتكرر لأن الهدف الذي نشأت بسببه قد يتغير !
ابحثوا عن أصدقاء حقيقيين في كنف الله ، فهو معيار الحب الذي لن يتبدل ، ابحثوا عنهم قبل أن ترددوا بحسرة :
” حتى أنت يا بروتس” !

*كاتب وصحفي في صحيفة الجزيرة ومشرف تربوي بمكتب التربية والتعليم بمحافظة رفحاء

عن منيف خضير

شاهد أيضاً

هنيئا لأهالي منطقة الحدود الشمالية

حــبـيـب ابـاقـريـن استبشر أهالي منطقة الحدود الشمالية خيرا بتعيين صاحب السمو الملكي الامير فيصل بن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Captcha Here : *

Reload Image