أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / بائعة الكبريت

بائعة الكبريت

بائعة الكبريت

صالح الصعب*

لكل شيء إذا ما تم نقصان * فلا يغر بطيب العيش انسان
هذا البيت لايكاد يسمع به آحد حتى يحتضر لديه سقوط الأندلس وماتبعهُ من ذل وهوان للأمة الرائدة آن ذاك ، وأقصد أمتنا الإسلامية ، ولكن نريد أن ندير المعنى ونقلب الورقة بحيث نقرأ بروح التفاؤل ونستشعر الايجابية بفهمنا المقلوب الجديد ، وهو أن نقول لكل طغيان إذا ماأتى فله نقصان بمقابلهِ المضاد العزة والتمكين ، تبدأ من مخيم الزعتري الذي مازال الوافدون إليه من أرض البركات والملاحم زرافاتٍ وفرادى ، لقد كانت من بين جوانحهم العزة رغم الإضطهاد الفاضح ، بحيث أن كلاً منهم أخذ يجوب البلاد طلباً للرزق حتى لا يكون عالةً قدر المستطاع على من هم عليه الآن ، وقد رأيت أحدهم يبيع ألعاب آطفال ٍ بعمان ، ماإن تبادلنا النظرات حتى سقط مافي يده من ألعاب عندما سلَّم علي وآخذ يحدثي أنه سوري من المخيم ولسان حالهِ إن لم تشتري فإنك لم تشارك في حل قضيتي ، وكأننا أنا وهو خصمان إفتعلتهما الأحداث من حيثُ لاندري !!، واشتريت اللعبة بنية المساعدة لهذا البائع المكلوم ولم تستطع يدِيَ أن تمتد للعبة ، ومضى كلاًّ منا لحالهِ ، ولم نُطل النظرات والكلام لأن الحال كانت في قمة التعبير عن الحال .
كان من بين المناضلين في المخيم الذين لم ينتظروا المساعدات التي تأخرت أيما تأخير ، فتاة ناشطةٌ ليست بالمعنى السياسي المرعب ، بل بالمعنى الإنساني تجوب المخيمات تبيع الكبريت لتشعل ضوء الدفئ وتنير ماأطفأهُ الظلم ، وتقتات الفتات من المال من هذه التجارة الرابحة ، لقد أضاءت والله شمعة في جنح الظلام الحالك وسلكت طرقاً لم تكن معبدةً من قبل ، بعزيمة الأنبياء وإصرار المتفائلين ، ولك أن تقول هو المدد الإلهي بعينه الذي يتنزل في قلب الحدث ويخرج العزيمة من رحِمِ المعضلة سليماً معافى ، لم تزل تجوب المخيم تسابق الزمن وتحديدا كانت تريد اللحاق بالشتاء ذلك الضيف الثقيل خاصة في ظرفهم الراهن بعدما كان ضيفاً باهي الطلّة يوماً ما ، تفرح بقدومه تلك الفتاة خلاف شعورها الآن ، لم يكن السباق متكافئاً لحكمة ٍ ربانية فكان السَّبقُ لذلك البرد القارس ومازالت بائعتنا تمارس المهنة كمثل أي متفائلٍ يحدوه الأمل ويستمطرُ رحمةَ ربه ، ومكان الصراع في المخيم قائماً على قدم وساق بينها و بين الأحوال الجوية منذراً بكارِثة إنسانية فلم تتعلّل بالمثل السائد – تكاثرت الظباء على خراش – !، فمضت البائعة كأنها لاتسمع ولاترى لما تحس به ًِ، مخلفَّة وراءها التحديات الكبيرة التي تبعثرت في مخيمها ، لم تزل تصاحب الإنذارات النصائح بالتوقف برهة ً حتى تمر هذه الكارثة ومن ثَم تعاود نشاطها ، فلم تنفع معها المبادرات ولا التهديد بالتخلي عن مُصابِها إن صرعها الصقيع إذ لا يوجد أدنى غوثٌ يلبي نداء المستضعفين فقالت لهم : معاذ الله أن أن تكون يدي السفلى حتى تسقط يداي كلتاهما، وفعلاً تمت كلِمة ربك ، وقد كانت أعدت العدة لتنطلق من الصباح باكراً، ولكن القدر كان أسرع من الأماني والطموح فأمرَ المطر المنهمر الذي إخترق الخيمة فجرفها إلى وسط المخيم لِيُجهِز على مابقيَ من طموحها ، فلم يغيض الماء ولم تستوِ على الجودي ولم تكن البائعة من الناجين فماتت .. ماتت بائعة الكبريت لأنها لم تجد المساعدات التي تكفلُ لها كرامتها ، ماتت لأن المسلمون غارقون في متاهات الغواية ، ماتت لأن العرب ماتت فيهم النخوة ، ماتت لأننا مازلنا ومانزال نكرهُ الفريق وأهلهُ معه فقط لأنه هزم فريقنا ، وآخيراً ماتت بائعة الكبريت لأن الله وحده أراد لها الحياة .

*كاتب مهتم بالقضايا الإسلامية والتربوية
* [email protected]

عن صالح الصعب

شاهد أيضاً

هنيئا لأهالي منطقة الحدود الشمالية

حــبـيـب ابـاقـريـن استبشر أهالي منطقة الحدود الشمالية خيرا بتعيين صاحب السمو الملكي الامير فيصل بن …

تعليق واحد

  1. مقال جميل لكن لو كانت هذه الفتاة هنا لداهمتها الهيئة أو البلدية أو اتهمها المتشددون

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Captcha Here : *

Reload Image