أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / أقول تقهو

أقول تقهو

أقول تقهو

منيف خضير*

ما أبشع السرقة !

لا أعتقد أن أحداً يقدر بشاعتها كالذي اكتوى بنارها ، تخيل أنك تعود من مشوار قصير بصحبة أسرتك داخل مدينتك وتفاجأ بمنزلك الذي يتوسط حيك وقد صار أثراً بعد عين ، أبواب الغرف الخشبية مهشمة ، والأبواب الحديدية مفتوحة عنوة ، والأدراج مبعثرة ، وأوراقك هنا وهناك ، وملابس زوجتك الداخلية متناثرة في الغرفة التي تحولت إلى ما يشبه (بسطات) حراج ابن قاسم ، كل ذلك حدث من السارق على روية وكأن الحي خال ٍ من ساكنيه فلم يعد أحد يعبأ بأحد .

وهذه السرقات المنزلية البشعة تحدث في المدن الكبرى كما تحث في المحافظات الصغيرة ، أحد الذين تعرضوا لمثل هذه المواقف يقول سرق ألبوم صوري الورقي وصور زوجتي أيام شهر العسل ، وسرق الذهب والتلفزيون وكل شئ ثمين مضيفاً في حسرة ترسم في وجهة ملامح المغلوب على أمره حيث يقول ولم أتحسر على شيئ مما سرق باستثناء كرامتي التي أهدرت على أرض بلادي بلادي حيث أخذ يرددها حتى كدت أنشد معه بلادي بلادي منار الهدى .

فقلت له ألم تخبر الشرطة ؟

فمد رجليه واكتفى بقوله أقول تقهو بس !

تخيل نفسك تخرج من منزلك ولا تجد سيارتك ، قد يظن بعض الأغنياء أن الفقراء لا يملكون كراجاً لسياراتهم فلذلك يتعرضون للسرقة فالمال السايب يلم السرقة كما يقال، وأقول لهؤلاء أن السيارة المفقودة كانت تقف في كراجها داخل المنزل ، ماذا يفعل المسكين أكثر من ذلك ، هل يدخل سيارته غرفة نومة كي لا تسرق ؟

ما أبشع السرقة !

تخيل نفسك تتحسس جوالك الثمين في جيب ثوبك ، وتدخل بيت الله لتصلي لربك ولتدعو لمئات العاطلين بأن يرزقهم الله بعمل يحفظ كرامتهم في أعوام رمادتهم ، تخيل ما إن تحفض يدك من الدعاء وتتحسس جوالك مرة أخرى لتجري مكالمة وأنت في طريقك لخارج المسجد فلا تجده ، شيئ مذهل حقاً حتى في بيت الله تلاحقك أيدي السارقين ، وتجزم يقيناً بأن ذلك الشاب الذي صلى بجانبك وارتابك بحركاته المرتبكة هو من ارتكب هذه السرقة البشعة وهو المتهم دون أن تصرح بذلك ، وتحاول أن تثبت صحة ظنك بقرائنك التي لا تخطئك وبطريقة تذهل أجاثا كريستي نفسها في مرقدها ، ثم تتوقف فجأة وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وتقول في نفسك عمر بن الخطاب رضي الله عنه عطل حد السرقة في عام الرمادة ، فهل ستكون أنت أرحم من عمر؟

ثم تتنازل عن الشكوى التي ستقدمها للشرطة ظناً منك أن الشرطة ستقطع يد هؤلاء السارقين ، ثم تتذكر بسرعة صاحبك الذي يقول لك في صوت خيالك أقول تقهو بس ، ولم تكن واقفاً ساعتها وإلا لمددت رجلاك!

وتتساءل مرة أخرى من سرق الآخر هؤلاء العاطلين أم من عطلهم ؟

أين البنوك ؟ أين القطاع الخاص ؟ بل أين الحكومة عنهم ؟

هل نلومهم أم نلوم أنفسنا فنحن من تسبب بانحرافهم ، ولا يقول المثاليون هذه حالات فردية ، فسرقات الجوالات بالعشرات وسرقات دواليب السيارات بالمئات (حلوة دواليب) ، وسرقات المنازل حدث ولا حرج وسرقات جيوب الناس فن لا يتقنه إلا نحن . وسرقات المشاريع الحكومية يا عيني ويا ليلي بل يا نهاري فالسرقات في رابعة النهار ولا حول ولا قوة إلا بالله .

ما أبشع السرقة !

من أمن العقوبة أساء الأدب ، كل ما عليك إذا تعرضت للسرقة أن تبلغ الأمن ، ثم ماذا بعد ذلك ؟

لا شيئ !

مزيد من الروتين والطلبات ، أحضر صورة البطاقة وتعال وقع هنا ، ثم ماذا بعد ؟

لا شيئ !

مزيد من الأسئلة هل تشك في أحد ؟ كدنا أن نقول نشك في قدراتكم ، ولكن خفنا على من خلفنا (ذرية ضعافا) ، أحد الأصدقاء وضع على سور منزله احتياطات أمنية ، فالسور مكهرب ، والزجاج المدبب يملأ جنبات السور الفارغة ، والإضاءة بالريموت كنترول تضاء في أوقات متعددة لتوحي للسارقين أن المنزل مأهول، والحارس أمام الباب باستمرار وكأنه بهذه الاحتياطات ينتظر عدواً يتربص به ، وما يدري أخونا أن السرقة لا تكلف هؤلاء إلا نصف ريال ، آسف قصدي بريال نسيت أن العلك زاد سعره هو الآخر (مفيش حد أحسن من حد) ، حيث يوضع العلك على جنبات باب النساء أو الرجال ويكون دليلاً على خلو المنزل من الغادي والرائح ببقاء العلك دون تمزق نتيجة غلق الأبواب الدائم، ثم تبدأ الهجمة المرتدة التي لا يفطن لها (صديق) المتسمر أمام المنزل ، ولا تنفع معها وسائل الأمن والأمان والاحتياطات فهؤلاء السارقون يبتكرون ويجددون في طرقهم بطريقة لا تجعلنا متفائلين ببودرة البصمة الزرقاء .

صدقوني : أبشع شيئ في الدنيا أن تسرق حقوقك وكرامتك ومنزلك وصور محارمك وأنت في بلدك بين أهلك وناسك !

* مشرف تربوي وكاتب صحفي في جريدة الجزيرة

     MK4004@HOTMAIL.COM

عن منيف خضير

شاهد أيضاً

هنيئا لأهالي منطقة الحدود الشمالية

حــبـيـب ابـاقـريـن استبشر أهالي منطقة الحدود الشمالية خيرا بتعيين صاحب السمو الملكي الامير فيصل بن …

3 تعليقات

  1. بالصميم أستاذي أبو خالد

    لولا إحساس السارق بالأمان لما تجرأ على السرقة

    الحديث في هذا الموضوع ذو شجون

    وكلما تعمقنا في الحديث كلما ازددنا حنقا ً وغيظا ً .

    لذا .. فالأفضل لنا ( أن نتقهوا )

    سلمت .. وسلم نبضك ..

  2. شكرا منيف ويلزم دورات للامن لكشف السرقات بس المشكلة نوب حاميها حراميها وتمنيت ماجبت طاري الملابس الداخليةوالحراج فللفكاهة اهلها ونوب تصير احراج

  3. من أمن العقوبة أساء الأدب

    مقال مميز أستاذ منيف
    من أمن العقوبة أساء الأدب
    للأسف نعاني من أزمة امنية فالسرقات إنتشرت في كل منازل أحياء محافظة رفحاء و التفحيط في شوارع المحافظة أصبح رياضة عند المراهقين من دون حسيب ولا رقيب .
    ظواهر إنتشرت بشكل سريع دون حلول تنجينا من العصابات و السارقين . .
    حمانا الله وإياك .

    مقال مميز من شخص مميز

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Captcha Here : *

Reload Image